press

art141216

كردّ فعل على المأساة الواقعة في حلب غصّت وسائل الإعلام الأيام الماضية بالمشاهد المؤلمة والمقاطع المؤثرة لما يحدث هناك؛ وتناقلها الناس على مواقع التواصل الإلكتروني بكثرة، لاهجةً ألسنتهم بالدعاء للمنكوبين في حلب بتفريج الكرب ومعبرين عن ألمهم لهول ما رأوه.

"إنهاّ لأهوال يوم القيامة" و"حلب تباد" و"مذبحة حلب" وغيرها عبارات حاول الناس من خلالها التعبير عمّا شاهدوه من مجازر مروعة وقصف عنيف متواصل وصدور للناس أشتاتا فرارا بحياتهم، وهو ما يدلّ على إحساسهم بإخوانهم وحرقتهم ووجعهم على ما يحدث واهتمامهم وتنغّص حياتهم بالواقع المأساوي الموجود في بلاد الشام.

إنّ التفاعل مع ما يحدث في حلب والدعاء للمسلمين هناك هو أمر مطلوب لا غنى عنه لكل مسلم يدرك قول النبيّ صلى الله عليه وسلم «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، وهو إن دلّ على شيء فهو يدلّ على حرارة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في صدور أولئك المتفاعلين وعدم نجاح الحدود المصطنعة والمفتعلة لتقسيم جسد الأمة الإسلامية في بناء السدود في وجدان الناس ونزع ما وقر في نفوسهم من أخوة إسلامية. ولكن...

هل الاكتفاء بالدعاء أمر يرضي الله عزّ وجلّ ويبرئ الذمة وفي إمكانه أن يكشف الغمة؟؟

هل الشعور بالعجز الذي بات يكبل الكثيرين ويجعلهم يتألمون ثم يدعون ثم يتناسون أمر طبيعي؟؟

لقد تألم الناس وتفاعلوا بكثرة مع التهجير والقتل والترويع الذي حدث في نكبة 48 في فلسطين ثم تألموا أيضا مع نكسة 67 ومع كل مجزرة اقترفها يهود في دير ياسين وقلقيلية مرورا بجنين وصبرا وشاتيلا وغزة واللائحة تطول. وتألموا كذلك لكشمير والشيشان ولأبو غريب العراق، لتركستان الشرقية ولبورما وغيرها... وفي كل مرة كان الدعاء سلاح المتألمين سواء عامة الناس أو خاصتهم من شيوخ ومفتين، وكان أمثلهم طريقة من يدعو إلى التظاهر أو إرسال المساعدات. وبقي الحال على ما هو عليه لا بل ازداد فظاعة وازدادت الآلام والأوجاع... فسنة الله أن التغيير لا يكون بالدعاء فقط...

إنّ كل الهزات العنيفة التي مرت على الأمة الإسلامية يجب أن تكون دافعا للتفكير فيما يغير الحال؛ وتحتم علينا تلك المآسي ترجمة أحاسيس الألم والمعاناة لنجعلها نورا ونارا يغير هذا العالم فلا يُكتفي بالمشاعر بل ينتقل مباشرة بناء عليها للفكر والعمل المنتج.

إنها لمن السلبية المقيتة أن يقول الواحد منا أنه لا حول له بما يحدث وأنه يتألم ولا يقدر على شيء؛ فالأحاسيس الصادقة القوية تنطبع لدى النفس وتدفعها دفعا للوصول للحل بل والتشمير عن ساعد الجد والسير إليه.

حلب اليوم ومن قبلها فلسطين و أفغانستان و الشيشان وكل بلاد المسلمين المحتلة تحتاج منا سعياً لتغيير الحكام العملاء الذين سلمونا للأعداء إلى جانب الدعاء وكل ما من شأنه أن يخفف وطأة معاناة إخواننا في تلك البلاد.

حلب تحتاج من كلٍّ منا قرارا جريئا يقلب به حياته رأسا على عقب فيغدو إنسانا راقيا؛ همّه نصرة الدين والمستضعفين؛ إنسانا لا يفكر فقط في "الأنا"، إنساناً يتعالى على الأنانية والتفكير في المصالح الضيقة وتكون أسمى غاياته هي إخراج العباد، جميع العباد، من جور المبادئ المتوحشة إلى عدل الإسلام وإنسانيته.

إنّ فكرة قدرة الشعوب على التغيير إذا ما تحركت وتسلحت بالوعي قد باتت فكرة ملموسة يدلل عليها ما وقع في الربيع العربي وما عكسه من تعطش الناس للتغيير وضرورة رفع سقف الوعي إذا ما أردنا ربيعا إسلاميا يضع حدا لمآسي المسلمين في كل مكان.

إنّ السعي للتغيير فرض في عنق كل منا وضرورة ملحة لتجهيز مستندات دفاعنا ليوم التغابن حين يطلب منا الله تعالى ردّ تهم التخاذل والتواطؤ والتقاعس بل والمشاركة في سفك الدم الحرام عناّ.

إنّ تحرك الشعوب رأسا لقلع الحكام العملاء ودفعها الجيوش دفعا للقيام بواجبها الشرعي تجاه المسلمين في كل مكان ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ واختيار قيادة مخلصة همّها تطبيق الإسلام والذود عنه تسير خلفها هو الحل العملي القادر على تغيير حال الأمة وكشف الغمة، وما دون ذلك يبقى مجرد أدوية تسكين قد تخفف الوجع ولا تؤمن الشفاء.

فيا أمة الإسلام هبي كفاك هوانا؛ قومي انفضي عنك غبار الوهن وانصري دينا وأعراضا ومقدسات؛ عودي لعزك ورفعتك وأعيدي الأفاعي إلى أوكارها، فوالله ما عادت تطيب لنا هذه الحياة التي لا ترضي الله؛ فلميتة في طاعة الله خير من عيشة في معصية. أفَلا نتحرك لهذه الأوضاع وكل يوم صواريخ الروس الملاعين تمزق أبناءنا أشلاء؟؟ أفَلا نتحرك وحرائر المسلمين في سوريا وبورما تغتصب؟؟ أفَلا نتحرك و الأقصى أسير والمسلم ذليل وشرع الله معطل؟؟

يا أمة الإسلام! ها هو حزب التحرير منذ أمد يقدم لك الدواء من كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ويدعوك للتحرك معه فاستجيبي لدعوة صادقة نقية ترجو أجرها من الله وحده والْتحمي معه لاستنصار الجيوش والأنصار، فحلب لن تكون الأخيرة إن لم نبايع حامياً وراعياً لبيضة الإسلام والمسلمين.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
هاجر اليعقوبي

المصدر: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/sporadic-sections/articles/political/41006