press

maqal020518 1

بداية لا بد من العودة بالذاكرة إلى الوراء أي إلى ما قبل  الثورة، حيث كنا نعيش تحت حكم أنظمة قمعية مجرمة، تتلقى الأوامر من الأسياد، ولا تستطيع أن تحرك ساكناً إلا بإذنهم وتحت سمعهم وبصرهم. ونحن شعب مغلوب على أمره، استباحنا الأعداء ومزقوا بلادنا، لقد كانت قلوبنا تتفطر عندما كنا نشاهد أهلنا في  فلسطين و  العراق وبورما وغيرها من البلاد الإسلامية، نراهم يُذبحون ويهجرون وتستباح حرماتهم وأموالهم، ولا نستطيع التخفيف عنهم أو نصرتهم، لأن حالنا ليس بأفضل من حالهم.

لكن كنا نخاطب أنفسنا لأننا لم نكن لنجرؤ على البوح بما في داخلنا، كنا نقول لماذا لا تتحرك جيوش المسلمين في سوريا وتركيا والأردن والسعودية وغيرها؟ أليست الجيوش من أبنائنا، وسلاحهم وذخيرتهم من أموالنا؟ والأصل أن تكون هذه القوة الضاربة هي للدفاع عنا؟ لماذا لا تتحرك هذه الجيوش للدفاع عن دمائنا وأعراضنا ومقدساتنا؟ لماذا لا ينصرون المستضعفين في بورما وفلسطين، ويحررون الأقصى من دنس يهود المجرمين؟!!

لقد أدركنا لاحقاً أن حكام المسلمين وهذه الأنظمة الجاثمة على صدورنا، ما هم إلا نواطير أوجدهم الكافر المستعمر لحماية الحدود، ولقمع أي تحركات تهدد عروشهم وعروش أسيادهم. لكن لم نكن نتصور أنهم سيُجبرون أبناءنا على قتلنا أو قمعنا، ويستخدمون السلاح الذي جمعناه من دمنا، يستخدمونه ضدنا، ويوجهونه إلى صدورنا!! نعم عشنا هذا الواقع المرير، ولم نكن نعرف كيف يمكن تغيير هذا الواقع، بالرغم من النداءات التي وجهها إخواننا في حزب التحرير لنا.

كنا نقول هل يعقل أن يتغير هذا الواقع المرير؟ هل يعقل أن تتحرك الشعوب المقهورة ضد هذه الأنظمة المجرمة؟ أنَّى يحيي الله هذه  الأمة بعد موتها؟! نعم كنا نظن أن أمتنا قد ماتت ولا حياة لمن تنادي، ولكن سرعان ما دبّت الحياة بهذه الأمة ونهضت من جديد، واكتشفنا أن الأمة تمرض لكنها لا تموت. وكما هو معلوم للجميع أنّ أي قوة في العالم مهما بلغت، لا تستطيع السيطرة على ثورة الشعوب. وبالفعل لم تستطع الأنظمة بقضها وقضيضها وإمكانياتها المتطورة، لم تستطع قمع الثورات ولا السيطرة عليها في بداية الأمر لأن الناس قالوا كلمتهم ولن يتراجعوا عنها.

لذلك لجأ الغرب الكافر بمساعدة حكام المسلمين الذين سموا أنفسهم أصدقاء الشعوب، وما هم إلا ألدّ أعدائها، لجأوا بمكرهم إلى احتواء  الثورات في أغلب البلدان وبقيت ثورة الشام عصية عليهم. ولم يعرفوا كيف يتعاملون معها. فقرروا تحويلها من ثورة شعبية إلى ثورة فصائلية ليسهل التعامل معها، وطلبوا من الثوار تشكيل فصائل عسكرية وتكفلوا هم بدعمها وتمويلها بالسلاح والأموال. وكعادته فإن حزب التحرير قد انبرى لهذه المؤامرة وفضحها على رؤوس الأشهاد وحذر  أهل  الشام الثائرين من هذا الفخ العظيم.

كان وقتها تشكيل أي فصيل عسكري ليس بالأمر الصعب فهو لا يتطلب سوى مجموعة صغيرة تقوم ببيان مصوّر تُعلن فيه عن اسم فصيلها، وتقوم بإرسال المقطع إلى غرف المخابرات في الأردن أو تركيا، لتُرسل لهم الدعم لاحقاً. وكان الثوار يتساءلون: لماذا كل هذا السخاء من هذه الدول التي ما شهدنا عليها إلا محاربة الحق وأهله، وقمع أي تحرك يهدد أمنها؟! هل غيرت نهجها؟ هل قررت الوقوف إلى جانب الشعوب المظلومة مع أن شعوبهم نفسها مظلومة؟ وكيف نفهم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾؟ وماذا نفسر قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾؟

هل التبس علينا فهم هذه الآيات، أم أنها آيات قطعية لا تحتمل تعدد الأفهام؟ هنا جاء دور المُشرعنين الذين يزينون الباطل ويزركشونه بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان. ولكن الله تعالى سرعان ما فضحهم، وزادت قناعة الناس بسنة الله تعالى وأنها لا تتحول ولا تتبدل، واكتشف الناس سذاجة المرقعين وسذاجة عقولهم القاصرة وفهمهم الخاطئ للإسلام الذي جرّ علينا الويلات.

نعم لقد كنا ضحية هذا الدعم المسموم، الذي أفسد ثورتنا وأعادنا إلى المربع الأول أي إلى ما قبل الثورة، نتيجة الفتاوى المضللة. واستطاع الغرب أن يُسيطر على الثورة من خلال الترويج لبعض الأفكار التي بثها (الشرعيون) وأفسدوا عقول الناس بفهمهم الخاطئ لهذه القواعد "تقاطع المصالح" و"الضرورات تبيح المحظورات" و"ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح" وغيرها...

نعم لقد استطاع الغرب السيطرة على الفصائل التي صنعها على عينه وللأسف. وها هي الفصائل تُهادن وتفاوض، وتسلم المناطق تارة، وتقتتل فيما بينها على حطام الدنيا تارة أخرى، والفتاوى جاهزة تحت الطلب. مما جعل الثورة تلتقط أنفاسها الأخيرة وجعل الناس المظلومين في حيرة من أمرهم، رغم عظيم تضحياتهم التي قدموها، إلا أنهم لم يروا بصيص أمل يلوح في الأفق. وقد فقدوا الثقة بالفصائل التي باتت منفصلة عنهم وبعيدة عن تضحياتهم. وبدأت آثار السُّم تظهر على جسد الثورة. فكان لا بد من البحث عن الترياق وطلب العلاج قبل فوات الأوان.

إنه ومن رحمة الله تعالى ولطفه بعباده، أنه أنزل لهم نظاماً متكاملاً، لم يترك مشكلة إلا وبين علاجها وحلها. فمن تمسك بحبل الله فاز ونجا، ومن أعرض عن شرع الله خاب وخسر. لقد حذرنا الله من طاعة الكفار وبيّن لنا غدرهم فقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. وقد أمرنا بالاعتصام بحبله المتين فقال سبحانه: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.

فالواجب هو العمل بما بين أيدينا من السلاح وهو كفيل بإذن الله لإسقاط النظام إن كان بعيداً عن قرارات الخارج. وقد أمرنا الله تعالى أن نتحرك بوصفنا جسداً واحداً ونهانا عن التنازع لأنه سبب الفشل. وطلب منا أن نسير على بصيرة، نعرف الهدف والطريق الموصل إليه، والخطة التي تمكننا من عدم هدر الطاقات وتضييع الجهود. وقد تكفل إخوانكم في حزب التحرير بكل هذا، وتبين لكم صدق ما قاله الحزب منذ سنوات وتبيّن لكم وعي الحزب على المؤامرات الدولية، وهو لا يزال حارساً أمينا لكم ولثورتكم، وها هو الحزب يُقدم لكم مشروعه السياسي، الذي يُعتبر جسر النجاة لتعبروا من خلاله بثورتكم إلى بر الأمان، فهلمّ ولا تتأخروا فالأمر جلل والمصاب عظيم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.

كتبه لجريدة الراية: الأستاذ عبد اللطيف الحريري بتاريخ 2 أيار/مايو 2018
المصدر: https://bit.ly/2HFxq5I