press

1822018sanaa

 

بينما كانت السماء تنضح ماؤها وسيارتي تسير ببطء لثقل حملها ووعورة الطريق أشار إليَّ لأتوقف! كان شابًا في العقد الثاني من العمر، أخفى معظم وجهه ولكن من نبرة صوته تستطيع أن تُقدّر عمره، أثّر فيه البرد وطول الوقوف على الحاجز، فالشاب من ملاك الشرطة المدنية في جنديرس، ألقى عليّ التحية وطالبني بمهمة للسيارة (إذن تحرُّك). فأجبته بأني لا أملك ما يطلب وأبديت له استغرابي، فلم يُطالبني أحد بمهمة وأنا أقطن هذه المنطقة منذ عدة شهور! فقال لي: إنها أوامر المجلس المحلي في جنديرس. حاولت التعرف على الشاب فلهجته قريبة من لهجتي، من أين أنت يا ابن أخي؟ سكت لبرهة ثم قال: من الحسكة، من قبيلة الجبور. هل هذا ما قطعت كل هذه المسافة لأجله يا ابن أخي؟ تقف على الحاجز لتطالب المارة بالمهمة؟! هزّ رأسه، إنّه المجلس المحلي الذي يصدر مثل هكذا أوامر من أجل أن يُغطي مصاريف موظفيه ومن أجل السرقة، ونحن نقف هنا ويعطونا الفُتات. ثم قال: تفضل يا عم "عوجا".

وصلت إلى بيتي وقد أنهكني التعب، فما كنت أقطعه في نصف ساعة أصبحت اليوم أقطعه بثلاث ساعات بسبب قطع الطريق بين أطمة ودير بلوط. فالمسافة بين القريتين لا تتجاوز ثلاثة كيلو مترات وأنا أسكن بجانب قرية دير بلوط، فيكون زمن رحلتي من وإلى دير بلوط - أطمة نصف ساعة على الأكثر، ولكن أجبرتنا الفصائل اليوم على قطع ما يقارب الستين كيلو مترًا ومواجهة ما بها من عقبات.

تذكرت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري عن خبَّابِ بن الأرتِّ قال: "شكَوْنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصرُ لنا، ألا تدعو الله لنا، قال: «كان الرجلُ في من قبلكم يُحفَرُ له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيُوضَع على رأسِه، فيُشقُّ باثنتين، وما يصدُّه ذلك عن دينِه، ويُمشَط بأمشاطِ الحديد ما دون لحمِه من عَظْم أو عصَب، وما يصدُّه ذلك عن دينِه، والله ليُتمنَّ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجلون». نلاحظ كيف بشر النبي أصحابه رضوان الله عليهم بأن الله سيفرج عنهم كل ما هم فيه من ضيق، وسيكونون أعزةً من بعد ذل، وأغنياء من بعد فقر، ويأمنون من بعد خوف، وتتمثل هذه البشرى بالطريق الواصل بين صنعاء وحضرموت والذي يبلغ طوله (775) كم. وكان هذا الطريق من أخطر الطرق لانتشار اللصوص وقطاع الطرق والوحوش الضارية، علاوة على ما انتشر عنها من الأساطير مثل أن الجان تسكن على جوانبها! فكان قطع هذه الطريق يكاد يكون مستحيلًا. فقول النبي عليه الصلاة والسلام لخباب: "حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه" هو بمنزلة المستحيل الذي صوّره النبي بأنه سيكون ممكنًا.

تذكرت حديث رسول الله المذكور أعلاه، وتفكرت في الحالة التي أوصلتنا إليها الفصائل المرتبطة المأجورة من جعْل الممكن مستحيلًا! فمنذ مدة قصيرة فقط كانت منظمة آفاد AFAD التركية الداعم الرئيس لما يُسمّى جهاز الشرطة المدنية والمسؤولة عن تخديم مخيمَي دير باللوط والمحمدية لنازحي الغوطة تقوم بإصلاحات على الطريق الواصل بين دير بلوط وأطمة، ويستطيع المارَّة مشاهدة ما كانت تحضره آفاد على الطريق. فبعد زيادة عرض الطريق إلى الضعف وتغيير مساره بحيث يمر من الجهة الشرقية لقرية دير بلوط دون المرور بداخلها، وتجهيز ساحات على جانبي الطريق من الشرق والغرب تدل على تجهيز نقاط تفتيش أو ما شابه، لم يكن أحد يظن أن هذه الطريق سيقطع، ولكن وبعد الحراك الشعبي الرافض لاتفاق سوتشي وبند فتح الطرقات الدولية جاءت هذه الإجراءات من أجل الضغط على القاعدة الشعبية لتمرير هذا الاتفاق المشؤوم.

فأيّ عمالة وأي خيانة هذه التي جعلت من ثلاثة كيلو مترات تكون مستحيلة العبور كاستحالة السفر من صنعاء إلى حضرموت في الجاهلية؟! فبينما كان يسير الراكب في عام 2014 من القامشلي شرقًا إلى درعا غربًا، وبعد أن كانت سيطرة الثورة على ما يقارب 80% من أرض سورية أصبح الحال اليوم -بسبب الذمم الرخيصة والمال السياسي القذر وعدم وجود قيادة سياسية مخلصة تقود الثورة إلى إسقاط النظام وإقامة حكم الإسلام- أن تقلصت مناطق سيطرة الثوار إلى 20% من أرض سوريا وعليها تدور الصراعات الفصائلية المقيتة التي تزيد من معاناة الناس وتبعدهم عن عدوهم الحقيقي نظام أسد وأعوانه.

وبعد أن كان الراكب يسير في كل المناطق المحررة آمنًا مطمئنًا كما سار المسلمون من صنعاء إلى حضرموت بعد تحقيق بشرى النبي صلى الله عليه وسلم، وضعت الفصائل كل أنواع المخاطر على الطرقات! فمن الحواجز الأمنية إلى مراكز الجباية وسرقة الأموال إلى وعورة الطريق، وكل ذلك للتضييق على الناس وكسر إرادتهم. ولك أن تتخيل ما على الطريق من عقبات عندما تعلم أنك تحتاج ثلاث ساعات لتجتاز مسافة 60 كم!

 

أحمد عبد الجواد