press

632019people

 

في بداية عام 2011 ازداد كرب أهل الشام وكثرت عليهم الضغوط بممارسات نظام البطش في دمشق، حتى إن أحدهم ليقول: لا خلاص من هذا الواقع ولا سبيل للنجاة أبدًا. فدمشق الأمويين كان يغشاها ظلام ما بعده ظلام! من أفرع أمنية برعت في إظهار أبشع السمعات وأقذر الأساليب في كيفية كبت الناس وقمعهم، تغشتهم حتى أصبح مظهرهم أنهم يفدون نظام أسد ويضحون في سبيل أن يبقى "إلى الأبد"، كما كان يُروَّج له بشعارات أصبحت تتنفسها الناس نتيجة الماكينة الإعلامية التي برعت في تقديس هبل وإنجازاته ومكارمه. كل تلك المعطيات لم تكن لتدل على أن الياسمين سيخرج من تحت طرقات البازلت وأن ربيع دمشق قد يظهر؛ قياس مادي وفق معطيات مادية أدى لنتائج خاطئة.

هذه النظرة المادية كانت مستندًا للكثير في الحكم على واقع الشام أن لا أمل في الأفق باديًا ولا سبيل للخلاص قادمًا. ولا يختلف الحال في دمشق الوليد عن أمثاله في كل بلاد العالم الإسلامي بالعموم والوسط العربي بالخصوص، فقد ضُربت الأمثال مؤكِّدةً تلك النظرة وسيقت الأشعار شارحة تلك الحالة؛ وبقي الأمر على ما هو عليه حتى بانت لحظة الحقيقة في عام 2011 حين كُسرت القاعدة المادية والواقعية بتحرك صاحب السلطان مطالبًا بحقه المغصوب، ساعيًا لاستعادته.

امتدت نار التغيير وانتشرت حتى وصلت جذوتها لدمشق مركز أسد الذي ظن أنه مانعته حصونه من النار، ولكن ما غفل عنه هو أن حصونه مهددة من الداخل نتيجة ممارسات شرذمته على رقاب الناس، فما بناه من كتل مادية لمنع أي مسيرة للتغيير لم تكن على قدر متين تصمد به أمام أمر قضاه الله. نعم قامت الثورة في أول أمرها على نظام محلي، ولكن أهدافها وطبيعة القائمين عليها جعلت النظام العالمي يرعد ويزبد ويستنفر، لذلك لا يتعجب الناظر من أن محاربة هذا الأمر لن تكون محدودة بل هي حرب مفتوحة من عدو لئيم لن تبقي ولن تذر حتى تصل لمفترق طرق: إما أن تكسر الثورةُ تحكمَ الإرادة الدولية في الناس ومقدراتهم، وإما أن تعيدهم المنظومة الدولية لحظيرتها كما كانوا بل أسوأ مما كانوا عليه.

تجهز العالم بعجره وبجره وأظهر العداوة من اللحظة الأولى وحدد الهدف والمبتغى ورسم خطه الأعوج وحدد نيته؛ ومصداق ذلك ما قام به من أعمال لسرقة الثورة، من صناعة تمثيل سياسي للثورة مرتبط وطفيلي! وتمثيل عسكري مرتبط كذلك بحبل سري يتغذى منه ويرجع إليه. وقد أغدق لكليهما العطايا في سبيل أمر واحد: "قطع رأس الثورة".

لم يقابل تلك الأوضاع التي صنعها النظام الدولي ردةُ فعل حازمة من الناس، بل رأينا أكثر من مرة إدبارًا عن المحاسبة وخوفًا من المجابهة والقولَ بما كان يقال سابقًا أن التغيير صعب بل ربما محال! ألا ترون تسلط قوى القهر والظلام وسيادة حكومات المكوس والضرائب وسطوة الأمنيات؟ فماذا نفعل أمامهم؟!

إن هذه الفكرة سامة حدَّ القتل، ولا تسهم إلا بإبقاء الناس في مربع العبودية، لذلك وجب علاج المسلمين منها وتخليصهم من آثارها، وعلاجها باختصار يرتكز على نقطة مهمة: أننا يجب أن نبعد النظرة المادية عن أن تكون وحدها أساس المعادلة، فحينما كان أصل المعادلة فيما مضى تسلط النظام وقواه المادية وصل الحال إلى ما تعلمون، وعندما تغير أساس المعادلة تغير الحال؛ إذن فالمطلوب اليوم أن نعيد المعادلة إلى أصلها وننطلق للتغيير والترشيد والتصحيح غير آبهين بشيء أو خائفين من أحد إلا الله، وعند الله العجائب والبركات والنصر الكبير.

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير- ولاية سوريا
عبدو الدلي