press

2442020idio

 

أحب أهل سوريا ثورتهم حب الولد لأمه و هنا علاقة أمومة متبادلة، فإن جاز الوصف فالجماهير هي الأم التي ولدت الحراك الثوري لما نزلوا إلى الشوارع وجهروا بمطالبهم، وفي الاتجاه الآخر الثورة هي اللحظة التي ولدت أناسا ليسوا كمن كانوا قبلها، فإن كانوا من قبل يرون المنكر ويتعايشون معه فقد ولدت الثورة أناسا ينكرون أصل فساد حالهم ويجهرون بإسقاطه..

وقد قيل في الثورة في سوريا في بداياتها أنها ثورة شعبية شاملة من أهل سوريا عموما، ووصفها بالشعبية يراد منه نفي التحريك السياسي لها من قبل حزب أو دولة أو أي جهة على درجة من التنظيم وهذه حقيقة، ووصفها بالشعبية أيضا يعني أنها عامة جدا لا تتبنى أي طرح سياسي مما هو مألوف في مرحلة ما قبل الثورة وهذه أيضا حقيقة أخرى ..

أما خلاف الحقيقة فكان فيما تلا ذلك، حيث خلطت الحقائق مع الأكاذيب واستغل إعلام الأنظمة الخبيثة حب الثوار لثورتهم استغلالا خبيثا، فأبرزوا بعض الصفات الطبيعية للثورة والتي هي نقاط ضعف في حقيقتها إن هي استمرت، أبرزوها على أنها مزايا، فقيل في مدح الثورة أنها ثورة من غير قائد وقيل في مدح الثورة أن ثوارها غير مؤدلجين فكريا بل هم من بسطاء الناس ممن ينحصر مطلبهم في إسقاط النظام فقط، وهنا لا أنفي ما ابتدأت به من حقائق بل ألفت النظر كيف كان يكال المديح لهذه الحقائق..

واستمر الطرح الإعلامي الموجه على هذا المنوال حتى تشربته كثير من الأوساط الفكرية والشعبية، وصارت تتداول كلمة الأدلجة كنوع من الشتائم السياسية وأساليب الاتهام بالأنانية والابتعاد عن نقاء الثورة ..

وبعيدا عن التفصيل الدقيق والتأصيل التاريخي لهذه الكلمة، فهي باختصار مشتقة من الكلمة الإنكليزية (idea) يعني فكرة وبروز فكرة في مجال تغيير المجتمعات صار يدعى أيديولوجيا، أي أن من يشتم الآخر بهذه الكلمة فهو يشتمه بأنه حامل فكرة! عجباً!!
فهذا على خلاف ما هو شائع من أن العلم والإدراك فضيلة والجهل رذيلة، فقد قلبت المفاهيم بلمح البصر وصار الثائر يمدح بأنه لا يمتلك فكرة ولا رؤيا وهو متمسك بواقعه الذي كان عليه أول أيام الثورة، وصار ثائرٌ آخر يٌحطُّ من شأنه ويكون متهما لطرحه فكرة لكيفية التغيير وصورته كما يراها ويقال عنه (مؤدلج) ..
ومع فارق التشبيه صار الخطاب شبيها بخطاب قوم لوط (أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) فصارت التهمة أن الناس مؤدلجون مفكرون بما عليهم أن يقوموا به وفق فكر يسبق العمل ..
طبعا هذه التهمة كانت توجه لمن يحمل الفكر الإسلامي فقط وذلك لصرف الثورة عن الطرح الإسلامي للتغيير و لكيفيته، ولم أسمع أن علمانيا دعا إلى علمانية أو ديمقراطية أو مدنية وصف بأنه مؤدلج مع أن طرحه هذا هو "أيديولوجيا" بالمفهوم السياسي وليس دعوة إلى فراغ يسع الجميع كما يتوهم ..

فكنا نسمع عن (أسلمة) الثورة ولم نسمع عن (علمنة) الثورة
وكان التركيز على أصحاب السمات الإسلامية شكلا أو مضمونا، وكانت المخادعة لتنفير الناس من المشروع الإسلامي تكمن في إبراز سلوكيات خاطئة لجماعات مسلمة على أنها ثمار تبني الأيديولوجيا أو (المنهج) صرفا عن التدقيق في أصل هذه السلوكيات أو صحتها، وكثيرٌ منها أساسا تنتمي لأيديولوجيات تتعارض مع ما يعلن عنه أصحابها ومع ما يرفعونه من شعارات،
فلم يكن يشار إليها على أنها ممارسات خاطئة ناتجة عن أفكار خاطئة ويجب استبدالها بأفكار صحيحة لتنتج ممارسات صحيحة، بل كانت الإشارة إلى أنها ممارسات ناجمة عن أفكار (أيديولوجية) فتجنبوا أهل الفكر يا ثوار واستمروا في انسياقكم بلا فكر ولا قائد ونحو أصدقاؤكم من الدول وممن يأتمر بأمرنا منكم نكفيكم عناء التفكير ونكفيكم متاعب القيادة
نحن من يحدد مطالبكم ونرسم طريقكم!!

وقد نالوا ذلك وحققوه للأسف وسيقت الثورة إلى حيث يريدون ويخططون بلا قائد منها وبلا مشروع سياسي يعبر عنها، حتى غاصت في الوحل وقيدت مفاصلها بقيودٍ كثيرة ولكن مفتاحها الوحيد هو مشروعٌ سياسي نقي وقائدٌ مخلص، وإلى ذلك ندعوا أهلنا ونضع بين أيديهم المشروع الإسلامي ورجاله مفتاحا لأقفال وتحقيقا لآمال، ونفخر أننا حملة فكر.. حملة (أيديولوجيا)

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا

حسن نور الدين