press

wamadat240217

ومضات: أشراط الساعة لصناعة المستقبل وليس للاستسلام للواقع


لو تأملنا في أشراط الساعة لوجدنا في القرآن والسنة عشرات الأخبار المستقبلية عن أشراط الساعة، وقد كتب المسلمون عن علامات وأشراط الساعة كتبا كثيرة، ولكن الذي يؤلم الفؤاد ويحز في النفس أن الأمة حينما أقفلت باب الاجتهاد وعطلت ملكة التفكير، وقفت من علامات الساعة وأشراطها موقف القدرية الغيبية، أي موقف المتفرج وانتظار وقوع هذه العلامات ومن ثم الاستسلام لما سيقع، وليس التفكير المسبق لمعالجة ما سيحصل لهم من مصائب، بل ولاحتى موقف التسابق في تحقيق البشارات، مع أن الأمة سابقا حينما سمعت مثلا بقوله عليه الصلاة والسلام (لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) بادرت وتسابقت وسارعت إلى تحقيق هذه البشارة ولم تقف موقف المتفرج، ولا موقف القدرية الغيبية الذي ينتظر وقوع الحدث ولا يفكر كيف يشارك في صنع الحدث. فقد جاء في المستدرك للحاكم (4/ 468) عن عبد الله بن بشر الغنوي حدثني أبي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) قال عبيد الله : فدعاني مسلمة بن عبد الملك فسألني عن هذا الحديث فحدثته فغزا القسطنطينية (قال الذهبي : حديث صحيح)

واليوم نرى كثيرا من أبناء الأمة الإسلامية يتعجب من الامريكي والياباني الذي يفكر للأمام لسنوات طويلة، ولكنهم في ذات الوقت لايرون أبعد من أنوفهم، بل إنهم إذا شاهدوا حزبا سياسيا يفكر للمستقبل ويعمل لإقامة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة يسخرون منه، ويقولون له أنتم تحلمون وتتوهمون وتعيشون خارج الواقع، وذلك بدل أن يسيروا معهم ويعملوا معهم لإقامة هذا الحدث الذي سيغير وجه التاريخ ثانية ؛ كما غيرته البعثة النبوية سابقا، علما أن كثرة إخبار الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام عن أشراط الساعة هذه الكثرة تتجانس تماما مع طبيعة العقيدة الإسلامية، فالعقيدة الإسلامية عقيدة روحية سياسية، فلا بد من بناء عقلية الأمة على هذا الأساس؛ أي لابد لأمة هذه عقيدتها أن يكون لديها التفكير بالمستقبل والتفكير بوضع الخطط من أجل تغيير الواقع والإبداع في أساليب صناعة التاريخ، فتبادر وتتسابق إلى تحقيق البشارات التي أخبر بها الله ورسوله، وتأخذ حذرها من المصائب والفتن التي قد تعترضها مستقبلا.
ولابد أن لايكون تفكير الأمة تفكيرا آنيا ولا تفكير اللحظة التي تعيشها، ولا تفكير من يستسلم لواقعه، بل لا بد أن تقوم الأمة بوضع أهداف بعيدة الأمد لتحقيقها، على مسرح الحياة وعلى حلبة الواقع الدولي.

فمثلا قوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم (3/ 84) (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا) هذا الحديث إن فهمناه بالعقلية التي تتناسب وتتجانس مع العقيدة الإسلامية فذلك يعني أن جزيرة العرب فيها قابلية أن تكون جنانا خضراء، فهو حث على استثمارها وحث على التفكير في كيفية جر المياه الحلوة إليها بشتى الوسائل من تحلية لمياه البحار ومن بناء سدود لحبس مياه الأمطار وغيرها من الأساليب التي تجعل هذه الأرض القاحلة جنة خضراء. ففي هذا الحديث رسالة لهذه الأمة أن تواصل الليل بالنهار من أجل إحياء جزيرة العرب وجعلها مروجا وأنهارا، وهذا التفكير يتجانس مع طبيعة العقيدة الإسلامية من أنها عقيدة روحية سياسية، ذات طريقة تفكير منتجة تبعث المرء على الإبداع وتحثه على التفكير بالمستقبل وبصناعة الحياة. وأما انتظار نزول المطر من السماء لتعود هذه الجزيرة جنة خضراء من تلقاء نفسها من دون جهد بشري فهذه الطريقة في التفكير ليست من جنس العقيدة الإسلامية.

ونقول لعل كثرة أخبار الساعة في الكتاب والسنة هو لتعليم الأمة هذه العقلية في التفكير أي التفكير بالخطط والإبداع بالأساليب لصناعة المستقبل.

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا
معاوية عبدالوهاب