publications-hizb-ut-tahrir-syria

syw270516

pdf

 

أيامٌ قليلة تفصلُ الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها عن شهر رمضان المبارك، شهر الخير العميم، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، فالحمد لله الذي منَّ علينا بهذا الشهر الفضيل. هذا الشهر الذي ما زالت الأمة كلها تتوق إلى أن يتوحّد فيه يوم صومها ويوم عيدها في مظهر عمليٍّ من مظاهر الوحدة الإسلامية، لكن ولسنواتٍ عديدة حُرِمَ المسلمون من هذا الخير بسبب تسلّط الحكام الطواغيت الذين كرّسوا الفرقة بين المسلمين، حتى في صيامها وأعيادها، وجعلوا الهلال تابعاً للحدود السياسية التي رسمها الكفار بين المسلمين، وشاركهم علماء السلاطين بإجازة ذلك أو السكوت عليه.

أيها المسلمون:

لقد ظلَّ المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين يصومون ويفطرون في يوم واحد امتثالاً لأمر الله وسنّة رسوله، فمنذ أن فُرِضَ صيام شهر رمضان بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبيان كيفيّة التطبيق العملي للالتزام بهذا الأمر من كافّة الجوانب ومنها موضوع بداية شهر رمضان. قال صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين» (البخاري)، ففي هذا الحديث وأمثاله أمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين كافّة بصيام شهر رمضان لرؤية الهلال، فجاءت ألفاظ الأحاديث عامّة، لأن ضمير الجماعة في: «صوموا ... وأفطروا» يدلّ على عموم المسلمين، وكذلك لفظ «رؤيته» فهو اسم جنس مضاف إلى ضمير فيفيد العموم.
ولقد بيّنت السنة المشرفة أنه ليس مطلوباً من كل مسلم أن يرى الهلال بنفسه حتى يصوم، بل إن رؤية مسلم واحد تكفي لكل المسلمين، فقد رُوِيَ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنه قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ – يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ -، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا» (الحاكم). ثم جاءت السنّة المشرّفة لتبيّن أن رؤية المسلمين في أيّ بلد تُلزِم المسلمين في البلاد الأخرى، فلا مسلم أولى من مسلم ولا بلاد أولى من بلاد. رُوِيَ عن جماعة من الأنصار: «غُمَّ علينا هلال شوّال فأصبحنا صياماً، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا ثُمَّ يخرجوا لعيدهم من الغد» (أحمد). فقد اكتفى رسول الله بشهادة هؤلاء المسلمين الذين قدموا إلى المدينة من بلاد أخرى دون أن يسألهم عنها، وأمَرَ أهل المدينة أن يأخذوا برؤية إخوانهم. وبهذه السنّة الشريفة بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، فصيام رمضان فرض على كل المسلمين ويبدأ صيامهم بثبوت رؤية هلال شهر رمضان ولو من مسلم واحد ومن أيّ بلد كان ما دامت تلك الرؤية حسب الشروط والضوابط الشرعية، وإلى هذا ذهب جمهور علماء المسلمين ومن كافّة المذاهب الإسلامية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.

أيها المسلمون:

ذهب بعض الفقهاء إلى الرأي القائل باعتبار اختلاف المطالع، واعتمدوا في ذلك على ما رُوِيَ عن كُريب «أنّ أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال: فقَدِمتُ الشامَ فقضيتُ حاجَتَها واستُهل عليّ رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال لكنّا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» (النسائي). وقد ردَّ جمهور العلماء على هذا بأن هذا الرأي هو اجتهاد لابن عبّاس رضي الله عنهما، ومعلوم أنّ الاجتهاد لا يُخصِّص عموم القرآن والسنّة، علاوةً على أنّ هذا الاجتهاد يخالف عموم الأدلّة التي سبق ذكرها ومنها أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤية المسافرين الذين جاؤوا إلى المدينة من خارجها. وقد برزت بين من يقول بهذا الرأي اختلافات كثيرة في تحديد المطالع وتحديد المسافات بينها. إنّه وإن عُذِرَ من قال باعتبار اختلاف المطالع سواء بتقليده لابن عبّاس رضي الله عنهما، أم من باب صعوبة تحقيق مناط الحكم في وقتهم، أو صعوبة الاتصالات بين المناطق آنذاك، فإنه لا يجوز بحال أن يُستخدم ذلك الرأي الفقهي لربط رؤية الهلال بالحدود السياسية التي رسمها الكفار بين المسلمين اليوم.
والرؤية المعتبرة هي الرؤية البصرية، ولا اعتبار للحسابات الفلكية إذا لم تثبت الرؤية بالعين البصرية، إذ لا قيمة شرعية للحسابات الفلكية في إثبات الصوم والإفطار، لأنّ السبب الشرعي للصوم أو الإفطار هو رؤية الهلال بالعين لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» (البخاري). وقوله «فإن غُمَّ عليكم» أي ستر وغطي بالغيم أو غيره فلم تروه بأعينكم. وأما قوله «فاقدروا له» لا تعني الرجوع للحسابات الفلكية، وإنما تعني ما بيّنه رسول الله في قوله: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» (البخاري).

أيها المسلمون:

إن توحيد يوم صيام الأمة لا يتمّ إلا بتوحيد البلاد الإسلامية عبر إقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والتي تجمع شمل المسلمين، وتُطبق شعائر الإسلام كما أمر الله لا كما تشتهيه أنفس الحكام.
نسأل الله تعالى أن يتقبّل الطاعات وأن يُفَرِّجَ كرب المسلمين عامة وكرب أهل الشام خاصة، وأن يجعل هذا الشهر شهر انتصار الأمّة بإقامة شرع الله وتحقيق بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة، وأن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.

وكل عام وأنتم بخير.


20/ شعبان / 1437هـ 
الموافق 27/05/2016م 

حزب التحرير
ولاية سوريا