
على مدى قرنٍ من الزمان، والأمة الإسلامية تئنّ تحت وطأة المصائب والنكبات؛ دماء تُسفك، وبلاد تُدمَّر، وشعوب تُهجَّر، وفقرٌ يشتدّ، وجوعٌ يفتك، وخيراتٌ تُنهب. تتوالى الأزمات عاماً بعد عام، حتى غدت أحوال المسلمين في زماننا هذا من أشدّ ما مرّت به الأمة في تاريخها الطويل.
وحين يبحث الناس عن الحل، تتردّد الدعوات كل عام إلى التوبة والرجوع إلى الله، غير أن الواقع لا يتبدّل، والأحوال لا تنصلح، وكأنّ التوبة لم تؤتِ أُكلها بعد. وهنا ينبغي أن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة: ممّ نتوب؟ وكيف تكون التوبة التي يرضاها الله سبحانه؟
يقول الله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض). [الأعراف: 96].
(ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزِل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم). [المائدة: 66].
فهذه الآيات تُبيّن أن البركة والرخاء مرهونة بإقامة شرع الله، وأن العدل والطمأنينة لا يتحققان إلا في ظل حكمٍ يحكم بما أنزل الله. فكيف نرجو بركة السماء ونحن نُعرض عن حكم رب السماء؟!
كيف تكون توبتنا صادقة، ونحن لا نزال نُحكم بأنظمةٍ علمانيةٍ تستمد تشريعاتها من الغرب، لا من الوحي؟
كيف نتحدث عن وحدة الصف، ونحن ما زلنا نقدّس حدوداً رسمها المستعمر، فرّقت بين أبناء الأمة الواحدة وقطّعت أوصالها؟
كيف نرجو نصر الله وإخواننا يُقتلون في غزة، ويُجوّعون في السودان، ويُحاصرون في اليمن، وتُنهب ثروات الأمة وتُقدَّم قرابين لعدوّها؟
إن الله تعالى يقول: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). [الرعد: 11].
ولا يكون هذا التغيير الحقيقي إلا بالرجوع إلى الإسلام كاملاً، في نظامه وحكمه واقتصاده وسياسته، لا في عباداته الفردية فحسب.
إن توبة الأمة اليوم لا تكتمل إلا بالعمل لإزالة أنظمة الجور التي تحكم بغير ما أنزل الله، وإقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة تجمع شمل المسلمين، وتطبق شرع الله، وتعيد للأمة عزتها ومكانتها بين الأمم.
قال رسول الله ﷺ: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت." (رواه أحمد).
فيا أمة الإسلام، ألم يأنِ للقلوب أن تخشع؟ ألم يأنِ أن ندرك أن خلاصنا لا يكون إلا بالعمل لتحكيم شرع الله في الأرض؟!
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم). [الأنفال: 24].
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
وائل مسعود