6

 

لا يخفى على المتابعين والمشتغلين بالسياسة أن سوريا منذ بداية عهد المقبور حافظ أسد أصبحت تابعة أمريكا، وهي من سهلت وصول بشار أسد إلى الحكم خلفاً لأبيه، وقد حضرت مادلين أولبرايت وزيرة خارجيتها آنذاك مسرحية نقل السلطة لبشار - ولم يحضر غيرها أحد من زعماء العالم - وصرحت من دمشق أن انتقال السلطة تم بشكل هادئ وسلس تعبيراً عن تأييدها لهذا الانتقال ودعما لبشار.

ومما يدل على جرائم أمريكا في سوريا حمايتها لنظام آل أسد ودعمها له في قمع المسلمين في أحداث حماة في ثمانينات القرن الماضي وكذلك دعمها ورعايتها لبشار في قمع ثورة الشام، حيث كانت تصريحات مسؤوليها خجولة من باب رفع العتب والخداع عندما صرح باراك أوباما بأن بشار فقد شرعيته وعليه أن يرحل، دون ضغط يذكر، بل كانت تمده بالمال والوقت سراً ليتخلص من ثورة الشام، وقد استخدم بشار الكيماوي عدة مرات ضد المسلمين في سوريا وهذا يدل على أنه يأمن العقوبة، والتي جاءت على شكل مسرحي عندما قام ترامب وقصف بعض مدرجات مطار التيفور، إضافة إلى بعض العقوبات التي لم تؤثر على النظام بل اصطلى بنيرانها الشعب السوري، عدا عن تسخير أمريكا لأعدائنا ومن زعموا نفاقاً صداقتنا لوأد الثورة والالتفاف عليها.

هذا هو كل ما فعلته أمريكا تجاه إجرام نظام أسد بشكل علني، بينما هي تدعمه سراً عندما أوعزت لإيران ومليشياتها بالدخول إلى سوريا والقتال إلى جانب النظام كما سمحت ونسقت مع روسيا لدعم النظام وحمايته عندما لم تفلح إيران في القضاء على الثورة.

لقد استمر النظام في ظل حماية أمريكا ورعايتها له أربع عشرة سنة يقتل ويعتقل أهل الشام ويدمر مدنهم وبلداتهم ويشردهم دون أن يخشى عقابا حقيقيا مقارنة بما تمارسه أمريكا من حماية العرقيات الصغيرة بعد إثارتها للتمرد، واستخدام قاعدتها المتقدمة في قلب البلاد الإسلامية كيان يهود بقصف البنية التحتية للبلد، واستخدام عقوبات قيصر التي ينبغي أن تسقط بسقوط النظام لكن أمريكا أبقتها سيفا مسلطا على الشعب السوري لتضغط عليه فيقبل بتنازلات الإدارة الجديدة على الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية. ومن أسوأ ما تمارسه أمريكا في فرض نفوذها وترسيخ هيمنتها على سوريا اتخاذ ملف العرقيات الصغيرة متكأً لفرض إرادتها، فأخذت تثيرها من تحت الطاولة لزرع بذور تقسيم سوريا وإيجاد شكل من أشكال الحكم الهجين بين الفيدرالية واللامركزية الإدارية، تبقي البلد في حالة شلل ونزاع دائم لتقوم بإدارة هذا النزاع والتدخل في كل صغيرة وكبيرة عبر مندوبها توم باراك ومبعوثيها من الخارجية والكونغرس، وفي الوقت نفسه تزعم دعم وحدة البلاد واستقرارها كذبا وخداعا.

إن العدو الحقيقي للشعب السوري خاصة والأمة الإسلامية عامة هي أمريكا، وما تقوم به من إثارة العرقيات الصغيرة سراً وحماية تمردهم علناً، وعدم فرض الهدوء والاندماج عليهم وهي قادرة على ذلك بإيعاز بسيط، ليدل دلالة لا لبس فيها أنها تتلاعب بمصير الشعب السوري بل وشعوب العالم أجمع وتفرض عليهم من تريد من الحكام ثم تزيلهم عندما يفقدون القدرة على خدمة مصالحها، فالركون إليها انتحار سياسي وجريمة من أعظم الجرائم بحق الأمة والدين.

إن الواجب تجاه عدوان أمريكا على سوريا وتدميرها وتشريد أهلها على يد عميلها بشار، هو العمل على قلع نفوذها من سوريا وبلاد المسلمين وطرد أدواتها والتحذير من التعاون أو التحالف معها أو مسايرتها، أما الركون إليها وطلب رضاها أملاً في تثبيت الحكم وازدهار البلاد فهو كمن يرجو من الشوك العنب! وقد كثر مؤخرا الحديث عن سياسة أحمد الشرع، الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، وتصريحاته المتوافقة مع هوى أمريكا، ومنها تصريحاته لكريستيان أمانبور، كبيرة مذيعي الشؤون الدولية في سي إن إن، ضمن منتدى الدوحة في قطر، والتي حاول فيها جاهداً إبعاد تهمة الإرهاب عنه! علماً أن اتفاق أمريكا مع الأنظمة على محاربة (الإرهاب) إنما هو لمحاربة الإسلام وأحكامه!

إن السكوت على تنازلات الإدارة الحالية تجاه أمريكا وإعطاء الفرصة للمتنازلين مخالفة لشرع الله تقود البلاد إلى مزيد من التفكك والصراع والضياع وعدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، بل سيؤدي ذلك حتما إلى سيطرة قوى داخلية معادية للإسلام قلبا وقالبا، وإن التبرير للتنازلات والتسويق لها وتأليف الفتاوى المضللة لتبريرها منزلق خطير وشر مستطير لن يطال الإدارة الحالية فقط، بل سيطال أهل سوريا وتضحياتهم جميعا.

إن الذي يحسم الصراع وينهي الخلاف ويقطع يد التدخل الأمريكي إنما هو تطبيق شرع الله سبحانه وتعالى الذي يقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ لأن شرع الله هو الذي يعطي كل ذي حق حقه، وما إن يلمس غير المسلمين رحمة الإسلام وعدالته حتى يهدؤوا بل سيدخلون في دين الله أفواجا. ولتطبيق شرع الله لا بد للحاكم أن يستنصر المسلمين في الداخل وهم ليسوا قلة، وفي كل أنحاء العالم، وسيأتونه بالملايين، بدل الركون إلى الكافرين المجرمين من مثل أمريكا ومن والاها!

كما لا بد للقادة أن يكونوا مستعدين للتضحية بالنفس والمال والسلطان كما قال رسول الله ﷺ: «لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ».

نعم هذا هو نهج النبوة في التمكين للدين وتحكيم شرع رب العالمين وليس الخضوع والتنازلات لأعداء الله الذين يمكرون بالأمة ليل نهار كما قال الله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.

------------
بقلم: الأستاذ محمد سعيد العبود