
لله سنن في الكون، وهي ثابتة لاتتخلف ولاتتغير أبداً، ومنها سنة التمكين، وهي سنة تسري على المؤمنين، إذ يمكن الله لعباده في الأرض من بعد قهر وقتل وتشريد وينقلهم من حال الاستضعاف إلى حال التمكين والعزة والاستخلاف في الأرض.
قال تعالى : (عسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).
ومن نص الآية يتبين لنا مراحل ثلاث:
المرحلة الاولى: استضعاف المؤمنين والتنكيل بهم. بلاء عظيم يقع على من آمن بالله وكفر بالطاغوت، فالثلة المؤمنة يسعى المجرمون لاستضعافها بغية فتنها عن دينها وعن قولها للحق وصدعها به، فتتم ملاحقتهم والتضييق عليهم وتعذيبهم بأساليب عدة وتهجيرهم من البلاد وإجبارهم على ترك أرزاقهم وفي ذلك بلاء شديد
المرحلة الثانية: الاستخلاف من بعد عذاب شديد.
يفتح الله أبواب رحمته على من آمن به، فرغم الفواتير الضخمة التي كانوا يدفعونها ليغيروا واقعهم الفاسد إلى واقع يرضي الله، ورغم ما مروا به من عذاب، كان الإيمان يملأ أفئدتهم بأن وعد الله لابد له أن يتحقق لينعموا بعد ذلك بعطاء الله وفتحه فيتملَّكون مفاتح البلاد لتبدأ بعد ذلك أشد المراحل خطراً.
المرحلة الثالثة: الاختبار الربّاني من بعد التمكين، وهي الأخطر والأشد فيُوضع من تسلّم السلطة تحت اختبار ربّاني عظيم عنوانه الثبات على المبدأ، ففي النصر لذة وسلطة ومال، وهنا تكمن خطورة المرحلة لمن توسّد أمور الناس، أيثبتون على مبدأهم فيشكرون الله بتطبيق شرعه ويفتحون خيرات البلاد على الناس لينعموا بحياة كريمة وعادلة أم يكونون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، فيتنكرون لشعاراتهم وينقلبون على ثوابتهم بذرائع شتى.
وأما الناس في هذه المرحلة فتقع عليهم مسؤولية محاسبة أصحاب السلطة وأطرهم على الحق أطرا كما قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (كلا واللهِ لتأمرُنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكرِ، ولتأخذُنَّ على يدَي الظالمِ، ولتأطُرُنَّه على الحقِّ أَطْرًا) وهذا في حال انحرافهم عن المبدأ وعن المسار الصحيح أو أن يقع ظلم من الحاكم كأن يحكم بغير ما أنزل الله فيرجع بهم إلى المربع الأول أي إلى مرحلة الفقر والاستضعاف والظلم.
فلا شكر يُكافِئ النصر إلا بإقامة شرع الله وتطبيقه كاملاً في جميع نواحي الحياة. فالشكر العملي بإقامة خلافة على منهاج النبوة بعد النصر هو الذي يزيد النعم من معطيها وكفرها مؤذنٌ بزوالها.
قال تعالى : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
رياض رزوق