22



بقي النبي صلى الله عليه وسلم يصارع كفار قريش في مكة أكثر من عشر سنين، ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ثم تابع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو القبائل العربية خارج مكة، يتبع الناس في منازلهم وأسواق العرب وفي المواسم، يقول: (من يؤويني؟ ومن ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة) فلا يجد أبداً أحدا يؤويه ولا ينصره، حتى أن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن، فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك يمضي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بأصابعهم.
إلى أن هيأ الله أهل يثرب ليكونوا أنصار الله ورسوله، فأذن الله لنبيه بالهجرة إلى المدينة المنورة، ليبدأ عصر جديد في تاريخ الإسلام، ليقيم للمسلمين حضارة الإسلام بديلاً عن حضارة الطواغيت.
فهجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست فراراً من أذى قريش أو نجاة بالنفس، بل لإقامة دولة تطبق شرع الله وتنشر الدعوة.
ولقوة أساسه تلك الدولة وصلابة بنيانها نجدها استمرت أكثر من عشرة قرون إلى أن سقطت دولة الخلافة العثمانية.
واليوم ونحن نعيش ذكرى هجرته عليه الصلاة والسلام، على الأمة الإسلامية أن تستعيد معنى الهجرة وتدرك أن الإسلام لا يوجد مكتملاً في المجتمع إلا بكيان تنفيذي فرضه الله علينا، وهو دولة تجمع المسلمين، تصون أعراضهم وتحفظ دينهم ومقدساتهم، وتطعم الجائع، وتأخذ الحق من القوي للضعيف، وتحرك الجيوش وتحرر المقدسات، وتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة وما ذلك على الله بعزيز ..
قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمود النعسان