
لا يكاد ينعقد مؤتمر دولي أو قمة للدول الكبرى إلا ويرفع شعار مشاكل الشرق الأوسط وتحقيق الاستقرار فيه، فيضعون المشاكل ويلقون الخطابات ويعلنون المبادرات وتصاغ البيانات والقرارات حتى يخيل للرأي العام أن أمن المنطقة ومستقبلها مرهون بما يقررون في تلك القاعات والدهاليز المغلقة.
غير أن القراءة شبه الدائمة لمسار كل الدول الكبرى وقممها في العقود الماضية تكشف أنها كثيرة العناوين السياسية ولكنها دون نتائج، بل ما يحصل هو عكس ما يعلن، من استمرار الضنك واستمرار التآمر على المسلمين في كل بقاع الأرض، وتستمر الحروب والنزاعات وتهضم حقوق المسلمين وتنهب ثرواتهم،
وهذا ليس أمراً مستغرباً، فالغاية الحقيقية من هذه المؤتمرات هي تحقيق مصالح الغرب المستعمر ولو كان ذلك على حساب دماء المسلمين من أهل هذه البلاد ومعاناتهم.
إنّ الدول الكبرى تبني سياساتها الخارجية وفق مصالحها الإستراتيجية وتسعى الى حماية أمنها ونفوذها ومكانتها الدولية، وهذا ما يفسر سعيهم الدائم لإشغال الناس والمسلمين بشكل خاص بالنزاعات والتفاهات والصراعات لإشغالهم عن هدفهم الحقيقي، وهو إقامة العدل وإنهاء الظلم وضنك الحياة بتحكيم الإسلام الذي يضمن سعادتهم واستقرارهم.
إن الأمة الإسلامية ليست بحاجة إلى تجارب استقرار غربية، فشعوب الغرب تعيش ضنك العيش بسبب سياسات دولها وفساد مبدئها الرأسمالي، وليست فضيحة إبستين والتواطؤ والمشاركة في إبادة أهل غزة عنا ببعيدة.
إن الأمة الإسلامية تمتلك في قرآنها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم المبدأ والقيم والعدل وحفظ الحقوق ورعاية شؤون الناس، المسلم منهم وغير المسلم، نظام راقٍ على أساس واضح: العقيدة الإسلامية.
إن المكر والظلم الذي يمارسه الغرب في قراراته وقممه لن يدوم، ولن نجد العدل إلا في أمر الله، قال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) وقال سبحانه: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار). فعندما يغيب العدل يكون الأمن هشاً ولو بدا المشهد ساكنا في ظاهره.
وقد بين رسول الله صل الله عليه وسلم أن الظلم سبب للهلاك فقال: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).
فلا تتحقق القوة ولا نحصل على الأمن والاستقرار إلا بشرع الله.
وعلينا أن نؤمن أن الحق هو الذي سينتصر، و نفوذه هو الذي سيدوم، وإن ما نحن فيه سيتغير ويتبدل وستتغير موازين الأمم وفق سنن الله.
إن الأمن والاستقرار الذي وعد به رب العباد ليس هو بالصفقات السياسية ولا نتيجة التوازنات للقوى العابرة، إنما هو وعد إلهي مرتبط بالإيمان والعمل والأخذ بالأسباب والتوكل على الله، قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون).
لذلك فان الاستقرار الحقيقي لا يقاس بعقد القمم والمؤتمرات ولا بحجم البيانات السياسية والتحركات الدبلوماسية، إنما يقاس بمدى تحقيق العدل وصيانة المجتمع ورفع الظلم وإقامة الحقوق والرعاية، فحيث وجد العدل وجد الأمان والأمن، وحيث استقر الظلم بقي الاستقرار سراباً لا واقعاً محسوساً ملموساً مهما رفع من شعارات خادعة مزيفة. ولن يتحقق العدل إلا بإقامة حكم الإسلام في ظلّ خلافة على منهاج النبوة، وإن ذلك لكائن قريباً بإذن الله.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
أحمد زكريا