
لطالما رددنا هذه العبارة وكتبناها على الجدران، وصدعنا بها في المعارك، لأننا كنا نستشعر معية الله، كنا نرددها بعد كل خذلان وبعد كل مأساة. كما أنها كانت تهوّن علينا أعباء النزوح وتخفف عنا لوعة الفقد بعد كل مجزرة.
كنا نقولها بعد تخلي القريب ومكر الغريب، مستنجدين بالله وحده سبحانه وتعالى، نعم المولى ونعم الوكيل.
لكننا بشر، ومن طبعنا العجلة!
كنا نستعجل الفرج ونستبطئ النصر والتمكين، ويغيب عنا أحيانا آثار العمل لله وفي سبيله، فنصاب ببعض اليأس والإحباط.
وفي لحظة استيئاس المسلمين، يجتهد شياطين الإنس والجن لأجل إبعادهم عن المسار الصحيح، ولسان حالهم يقول:
توقفوا.. هذا يكفي، ألا ترون الدماء والأشلاء!! وماذا عن القصف والدمار والتشرد؟ هذا يكفي، لقد تعبتم! أنتم تستحقون حياة أفضل! هناك طرق هينة نتائجها سريعة، تعالوا بنا نساعدكم، ولكن عليكم أن تتنازلوا عن بعض الأمور، فذلك من ضرورات المرحلة!
وللأسف كان بعضنا يلدغ من نفس الجحر مرات ومرات، ولا يتعظ بما سبق، مع أننا لو بقينا ثابتين على ثغورنا معتصمين بحبل الله حتى يأذن بالفرج، لما وصلنا إلى هذه الحال، "ولكنكم قوم تستعجلون"!
سلكنا سبلاً غير سبيل الله، فضعنا في متاهات مظلمة يصعب الخروج منها: حماية دولية! دعم خارجي! هدن ومفاوضات! أنصاف حلول سياسية تقرب بين الحق والباطل! تدرج في تطبيق الشريعة! وبهذا كنا نعود دائماً إلى المربع الأول..
ولو تأملنا سنن الله سبحانه في عملية التغيير لوجدنا أن التمكين كان يأتي في أشد اللحظات صعوبة: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا).
فبعد أن اشتد الأذى على المسلمين، وبعد محاصرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام في بيته لقـتله، ومطاردته في الصحراء، في هذه اللحظة الحاسمة: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، جاء الفرج وقامت دولة الإسلام الأولى.
وبعد خروج موسى عليه السلام مع قومه إلى شاطئ البحر، وهم مطاردون من فرعون وجنوده، في هذه اللحظات الصعبة: (إنا لمدركون) انفلق البحر وأُغرق فرعون وجنوده، ونجّى الله موسى وقومه: (وكذلك ننجي المؤمنين).
فالتاريخ شاهد والأمثلة كثيرة..
وبعد كل هذا، أليس الأجدى والأجدر بنا أن نعتصم بحبل الله سبحانه، وأن نتوكل عليه، وأن نقف بثبات على بابه حتى يأذن بالفرج، طبعاً مع الأخذ بالأسباب والتوكل على الله حق التوكل، مقتدين بنهج رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
عبد اللطيف الحريري