4



حين وصف اللهُ سبحانه وتعالى أمةَ الإسلام بالخيرية في كتابه الكريم، لم يُشرِّفها بهذا الوصف على أساسٍ عِرقيٍّ أو قَبَليّ، بل جعله شرفًا مشروطًا بمسؤوليةٍ عظيمةٍ تنوء بحملها الجبال، ألا وهي مسؤولية حمل الدعوة الإسلامية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قال الحقُّ تبارك وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

إن هذا السياق القرآني المعجز يضعنا، بوصفنا أمة إسلامية، أمام حقيقة وجودنا ومهمتنا الأساسية في الحياة. فقد قدَّم الله سبحانه وتعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الذكر على الإيمان به، وليس هذا التقديمُ تقديمَ أهميةٍ في المنزلة، إذ الإيمانُ بلا شك هو الأساسُ والقاعدةُ التي يبني المسلم عليها حياته ولا يقبل الله عملًا دونه، وإنما جاء التقديم لبيان وجه تميز هذه الأمة عن سائر الأمم السابقة. فالأمم السابقة آمنت، لكن الكثير منها تخلى عن واجب الدعوة والإصلاح فاستحقوا غضب الله وعذابه، بينما تميزت أمة الإسلام بأنّ إيمانها يتعدى النفع الفردي إلى الإصلاح الجماعي وحمل الرسالة للناس كافة. وأي تقصير في هذا الفرض العظيم يوجب سخط الله وعقابه. قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ». ولنا في آيات بني إسرائيل عِبَرٌ كثيرة في هذا الموضوع تحديدًا.

إن العمل لاسترداد مكانتنا الطبيعية وسيادتنا بين الأمم ليس أمنية تُنال بالتمني، بل هو رهينٌ بالالتزام بالأمر الرباني والقيام بالواجب الذي أُنيط بنا كأمة. وهذا الواجب -أي حمل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- لا بُدَّ أن يلتزم به المسلم كالتزامه بصلاته وصيامه، حتى يكون المسلمُ حارسًا أمينًا على حرمات الله، يأبى أن يُعصى الله، ويحرِصُ على هيمنة أحكام اللهِ وشريعته. كما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لَمَّا قرأ هذه الآية: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تِلْكَ الأُمَّةِ، فَلْيُؤَدِّ شَرْطَ اللهِ فِيهَا".
وشرط الله واضح لا لبس فيه، وهو وجوب حمل الدعوة واشتراطها ركنًا أساسِيًّا لتحصيل هذه الخيرية، ولتحقيق الإيمان بالشكل الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، بما يتطلبه ذلك من انخراط في المجتمع لتغييره ورفضٍ للانكفاء على الذات، وأن تأبى الأمة الوقوف موضع المتفرج أمام الانحراف والفساد، بل تعمل جاهدة لتغيير هذا الواقع الفاسد وإحالته إلى واقع يرضي الله، مع إدراكٍ عميق بأننا أخرِجنا للناس لنكون مشاعل هداية ورحمة للعالمين. فلا يكتمل إيماننا بالشكل الذي يرضاه الله لنا إلا إذا تحول هذا الإيمان إلى قوة دافعة تأمر بالخير، وتنهى عن الباطل، وتصلح حال الناس، وتخرجهم من الظلمات إلى النور.
ونقول لأبناء أمتنا الغالية: إن عزتنا ورفعتنا منوطتان بمدى إحيائنا لهذه الشعيرة العظيمة في حياتنا. وإن الانكفاء على الذات ولسان حال "اللّهُمّ نفسي" هو عينُ الوهن وسبب في سلب هذه الخيرية التي شرفنا الله بها. فلذلك وجب علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نستحضر هذا المفهوم العظيم في حياتنا اليومية ونجسده واقعاً ملموساً في بيوتنا، وأسواقنا، ومجتمعاتنا، ونبلوره في وعي أبنائنا وبناتنا حتى تعود الأمة لممارسة هذه الشعيرة العظيمة بحقها فتنال شرف وصف ربها لها بالخيرية.
إن القيام بأمانة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صمام الأمان الذي يحمي سفينة مجتمعنا من الغرق، وهو الطريق الوحيد الذي يقودنا إلى النصر والتمكين، لنعود كما أرادنا الله سبحانه وتعالى: أمةً خيِّرة، قائدة، هادية، مهدية، تتبوأ مكانتها الطبيعية التي ارتضاها لها رب العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
براء بركات