
إن الناظر في حال الأمة اليوم لا يخفى عليه ما تعانيه من مآسٍ وكم هي بشوق لأن تستعيد مكانتها الطبيعية بين الأمم، كيف لا وهي صاحبة الرسالة الربانية التي جعلها الله بها شاهدة على الأمم وهي صاحبة الموارد الطبيعية والبشرية التي تمكنها من إدارة العالم بأسره.
وفي هذا السياق ينبري الكثير من المفكرين والمهتمين بشأن الأمة ليتحدثوا عن التغيير وكيفية هذا التغيير، ولكن يخونهم أحيانا فهم الواقع وأسباب تأخر الأمة، ويخونهم أحيانا أخرى وضع الدليل في سياقه الصحيح، وسأبدأ من هذه المقالة في توضيح بعض المفاهيم المتعلقة بالتغيير.
إن الناظر في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ثم يستدل بها على أن التغيير يبدأ من تغيير نفوس أفراد الناس وأنه إذا صلحت نفوس الناس كل فرد بعينه فسيصلح الله أحوال الأمة وتعود لعزها، فهو مجتزئ للدليل، ومع أننا لا ننفي احتمالية دلالة الآيات لجزء من هذا المعنى، ولكن إذا نظرنا إلى الآيات نجدها تتكلم عن التغيير بسياق آخر، فالموضع الأول هو في سورة الرعد التي فيها إظهار لعظمة الله وعظمة خلقه وسعة علمه وثبات الحق وزوال الباطل وفيها وعيد، قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ).
والموضع الثاني في سورة الأنفال في سياق الحديث عن آل فرعون، قال تعالى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ* ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ).
والناظر في سياق الآيات يرى بوضوح أن الكلام عن أن التغيير هنا هو من حال أفضل لحال أسوأ وأن هذا التغيير أجراه الله عقوبة للقوم الذين لم يشكروا نعمة الله ولم يقدروها قدرها، ففي النص الأول قال تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له)، وفي النص الثاني قال: (لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم)، وفي كلا الحالتين الحديث عن مجمل القوم وليس عن أفراد وليس عن تبديل الحال إلى أفضل.
وفي الختام أذكّر أن الله قد منحنا فرصة بزوال حكم الطغاة في سوريا، فهل نشكر هذه النعمة بما تستحقه من العمل لتحكيم شريعته وإقامة دولته، أم نضيعها بالتأول والتأجيل والعجز فيسلبنا الله هذه النعمة.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
جهاد الكيال