
لم يولد موسى عليه السلام في عالم آمن، بل ولد في زمن يذبح فيه فرعون الأطفال. كان الخوف يحيط بحياته منذ اللحظة الأولى، خافت عليه أمه فأوحى الله إليها أن تلقيه في اليم، ثم عاش في قصر فرعون الذي ادعى الربوبية، ثم خرج من مصر خائفا يترقب. ولما كلفه الله بمواجهة فرعون لم يخفِ ما يجده في نفسه فقال مخاطباً ربه: ﴿رب إني اخاف أن يكذبونِ) وسأل ربه أن يشرح صدره وييسر أمره ويحل عقدةً من لسانه ليُفهم قوله، وأن يجعل هارون وزيرا له، فلم يطلب إعفاءه من رسالته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإنما طلب ما يعينه على حملها، وهنا كان الفارق بين رجل تحكمه المخاوف ورجل تقوده العقيدة، فلما جاءه أمر الله: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى) واكبه تطمين إلهي: (إنني معكما أسمع وأرى). لم يعد الخوف قائدا لقراره، بل صار وعد الله هو الذي يقوده. فوقف أمام أعظم طاغية في زمانه، وألقى عصاه، وثبت يوم اجتمع السحرة، وسار إلى البحر حتى إذا أحاط به العدو من خلفه والبحر من أمامه قال قومه: (إِنا لمُدركون)، فأجابهم بكلمة العقيدة التي تصنع الرجال: (كلا إن معي ربي سيهدينِ).
فانشق البحر بأمر الله، وتمت كلمة الله.
وهكذا تبني الدول وتحمل الرسالة، لا بعقلية الخوف ولا بالانضباع ببطش الطغاة، ولا بالاستسلام لموازين القوى، بل بعقيدة تجعل صاحبها يثق بوعد الله أكثر مما يخشى وعيد البشر.
واليوم يسعى الغرب إلى أن يحكم المسلمين بالخوف، الخوف من قوته ومن حصاره ومن عقوباته الاقتصادية، حتى صار كثيرون يترددون: "لا نستطيع المواجهة، هم أقوى".
وصار البعض يتردد خوفا في الجهر بالحق وصار ظن الكثير أن تحكيم شرع الله مشروع مستحيل.
فأصبحت قصة موسى عليه السلام عند كثير من المسلمين قصة سردية، بدل أن تعلمنا أن الخوف شعور بشري طبيعي أما الاستسلام اليه فليس من شأن المؤمن الذي يحمل رسالة الله القوي المتين، فالخوف لا يصنع رجال دولة إنما تصنعهم العقيدة.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
أحمد زكريا