
حين أكرمنا الله بالخلاص من عصابة أسد، وأذن لأرض الشام الطاهرة بالنصر والتحرير بعد سنواتٍ طويلةٍ من الظلم والقهر والتضحيات العظيمة، وضعنا سبحانه أمام امتحان كبير ومسؤولية ثقيلة لينظر كيف نعمل، فقد جعلنا أمام اختبارٍ مفصليٍّ يحدد مصيرنا ومستقبل أجيالنا، إذ إنّ سنة الله في الخلق تقتضي أنّ نِعَمهُ لا تُحفظ بالإعراض عن شريعته، كما أنّ دماءَ الشهداء وتضحيات المجاهدين لا تُصان بالانحراف عن غايتها المتمثلة بتحكيم شرع الله، وإقامة العدل، والعيش في ظل عبوديته سبحانه وتطهير الأرض من الفساد.
إلا أن المتابع لمسار الأحداث اليوم يرى انحرافاً عن هذه التطلعات. ومن المُلاحظ مؤخراً التركيز على إقامة ورعاية الأنشطة والفعاليات التي تستضيف شخصيات تُجسد السطحية والميوعة القيمية وتُروج لمظاهر التبرج، في مسعى يُقرأ كحالة استرضاء للمنظومة الغربية وإظهار المجتمع بمظهر "الانفتاح". إن هذا النهج يعكس خللاً في التقدير السياسي وهزيمة نفسية لدى الجهات المنظمة. فبدلاً من أن تُسَخَّر المنصات الثقافية لترسيخ الهوية الإسلامية، وإحياء المجد الحضاري لأمة الإسلام، واستحضار المعاني الإيمانية التي أمدت هذا الشعب بالثبات عند الشدة، نراها تتجه نحو مجاراة المظاهر الغربية المادية التي ما أورثت المجتمعات إلا التفكك الأسري، والضياع الروحي، والانحلال الأخلاقي.
إن قوة الشام وعزتها لن تكون يوماً في السير خلف الغرب وتقليد نمط عيشه، ولا في استيراد قشور حضارته المتهالكة التي تبحث اليوم عن مخرج لأزماتها الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والمعيشية. فالله عز وجل الذي أعزنا بالإسلام لا يقبل منا أن نبتغي العزة عند غيره، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلامِ، فَمَهْمَا ابْتَغَيْنَا الْعِزَّةَ بِغَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ". وإن استرضاء أمريكا والدول الغربية على حساب شريعة الله وثوابت الأمة هو ركضٌ خلف وهم وسراب، ولا يورث إلا الهوان والاستعباد الفكري والثقافي.
ومن هنا يبرز الواجب الشرعي والأخلاقي في الدعوة إلى الانفكاك عن الهيمنة الغربية، والعودة الصادقة إلى الشريعة الإسلامية أحكاماً ومنهاج حياة، وتطهير المؤسسات الثقافية لتكون منابر لإعادة بناء الإنسان الصالح المصلح، وحماية الفطرة السليمة، وتربية الجيل على معالي الأمور ورسائل الإسلام الخالدة.
إن تطبيق الشريعة الإسلامية يُشكل الركيزة الأساسية لبناء الدولة العادلة والضامن الوحيد لسيادة القانون والكرامة الإنسانية، فضلاً عن كونه السبيل العملي لتحقيق الاستقرار المعيشي والازدهار الاقتصادي الذي يتطلع إليه الناس. فالشريعة الإسلامية حين تُطبق بحقّ، تتنزل بركات السماء والأرض، كما قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]. فالاستقامة على أمر الله وتحكيم شريعته تجلب السكينة للأرواح، وتنهي الفساد والمحسوبية، وتنتج نظاماً اقتصادياً قائماً على العدل، يضع حداً للاحتكار، ويعالج أزمات الغلاء والمحروقات، وينتشل الناس من براثن الفقر، بما يحفظ للناس كرامتهم وأرزاقهم، ويضع حداً للتفاوت المادي والاستغلال.
إن المرحلة التي نمر بها تتطلب أعلى درجات اليقظة والحذر، فلا ينبغي بحالٍ أن تكون تلك الدماء الزكية والتضحيات العظيمة قد بُذلت لمجرد استبدال طغيان عصابة الأسد بتبعيةٍ للغرب وأمريكا. إن حفظ ثمار الثورة واستكمال معاني التحرير لن يكونا إلا بإقامة الدين وتحكيم شريعة الله في نواحي الحياة كافة، وصيانة الأخلاق وتعظيم شعائر الله في مجتمعاتنا ومؤسساتنا وبيوتنا. وأمام هذه المسؤولية العظيمة، يتوجب على كل غيورٍ على الشام ودماء شهدائها أن يعمل لنصرة الحق بالدعوة إلى إقامة الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والعمل لإقامة دولة يرضى عنها ساكنو السماء والأرض؛ صوناً لهوية الأمة، ووفاءً للتضحيات، وابتغاءً لمرضاة الله وحده، حتى تقرَّ الأعين بنصرٍ مبين وحياةٍ كريمة في ظل شرع الله وعدله.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
براء بركات