
شهدت الساحة السورية مؤخراً ازدياداً ملحوظاً في حالة الاحتقان والغضب، وخاصة عند حاضنة الثورة، نتيجةَ التهميش المتعمد وغياب الرعاية، ما تسبب بظهور عدد من المشاكل والأزمات المستعصية، بدءاً من استمرار معاناة أهلنا في المخيمات التي اجتاحتها الفيضانات فاقتلعت خيامها ليصبحوا في العراء في ظروف الشتاء القاسية، مروراً بأزمة الكهرباء وارتفاع أسعارها والشكوى من تضخم فواتيرها، وصولاً لأزمة المعلمين وإضرابهم بسبب التأخر في تسوية أوضاعهم بما يحفظ كرامتهم وإنسانيتهم، وتدني رواتبهم مقارنة مع شرائح أخرى ممن لا تمتلك إمكاناتهم، وهم الذين صبروا وقدموا وضحّوا على مدار سنيّ الثورة أملاً في تحسن الواقع بعد إسقاط النظام البائد، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات مقارنة مع الدخل المحدود للسواد الأعظم من أهل البلد إن وجد، واستياء حاضنة الثورة من "العدالة الانتقائية" والعفو عن الشبيحة والمجرمين في الوقت الذي لا يزال فيه كثير من حملة الدعوة ومعتقلي الرأي ومخلصي الثوار والمجاهدين في غياهب السجون منذ سنوات، والسعي لإرضاء "الأقليات" على حساب أهل الثورة والتضحيات، وأس الداء هو الخضوع لمطالب الخارج، وخاصة أمريكا، في علمنة الدولة ومحاصرة النفَس الثوري والجهادي عبر الانضمام لتحالف "مكافحة الإرهاب" الذي لا تقصد به أمريكا إلا محاربة الإسلام، ولا تخفى خطوات التطبيع مع يهود.
مشاكل حياتية يومية وصعوبات جَمّة متلاحقة يكابدها الناس، ليس سببها فقط تقصير الدولة في رعاية شؤون الناس، وعدم محاولة تأمين متطلبات ومستلزمات الحياة الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وطبابة وتعليم وغيرها، إنما هذه الأزمات المزمنة هي نتيجة طبيعية لغياب تطبيق الإسلام ومعالجاته في واقع الحياة، فقد تم الانقلاب على ثوابت الثورة وأهدافها وشعاراتها ليُقصى الإسلام عن الحكم والحياة والدولة ويُطبق دستور علماني وضعي لا يزيد الناس إلا بؤساً وفقراً وشقاءً.
وقد تابع الناس بصدمةٍ واستغراب شديدين قبل أيام حديث وزير العدل السوري، "مظهر الويس"، بأن القوانين المدنية لا تتعارض مع الشريعة، فذكر أن هناك "مفاهيم مغلوطة تقول إن هناك تعارضاً بين القيم الدينية والقيم القانونية"، قائلاً إنها "كلها حقائق"، ما يعد محاولة خطيرة لإضفاء صبغة شرعية على الدستور والقوانين الوضعية المطبقة امتداداً للنظام البائد، معتبراً ما ورد في الإعلان الدستوري في سوريا، من أن: "الفقه الإسلامي هو المصدر الأساسي للتشريع"، دليلاً على موافقة أحكام الدستور والقوانين في سوريا للشريعة الإسلامية، متغافلا عن أن عبارة: "المصدر الأساسي" لا تنفي وجود مصادر غير إسلامية (شرقية وغربية).
وتابع قائلا: "تتغير الأحكام بتغير الأزمان والأمكنة"، متناسياً أن الإسلام جاء ليعالج الواقع ويغيره ليتوافق مع الحكم الشرعي، لا تغيير الأحكام لتوافق الواقع وتناسب هوى المتقاعسين والمتخاذلين عن التغيير الخاضعين لتوجيهات أعدائنا.
إن من أعظم الأخطار إضفاء الصبغة الشرعية على القوانين الوضعية واستمرار المحاكم على ما كانت عليه زمن النظام البائد، ليقتصر تطبيق الشريعة في المحاكم الشرعية فقط على ما يتعلق بالأحوال الشخصية (زواج وطلاق وميراث) ولتبقى شؤون الحكم والدولة والسياسة الداخلية والخارجية بعيدة عن نظام الإسلام وتشريعاته.
إن الأصل أن تكون العقيدة الإسلامية هي المصدر الوحيد للدستور والقوانين، ومن أدلة الشرع التفصيلية تُستنبط المعالجات، وبذلك يتحقق العدل ونحقق هناء وسعادة رعايا الدولة، وبذلك فقط تكون الدولة بحق دولة رعاية لا دولة جباية.
أما الملكيات العامة والثروات الباطنية كالنفط والغاز والمعادن التي تضمن عائداتها العيش الكريم للناس، بل وتحقق رفاهيتهم، فالأصل أن تقوم الدولة بإدارتها بكفاءة واستقلالية بما يضمن حقوق رعايا الدولة بدل إعطائها امتيازاتٍ لشركات أجنبية مثل "شيفرون" الأمريكية وغيرها ما يفاقم أزمة النهب والتبعية.
إننا على يقين أن الظلم سيبقى قائماً مادام الإسلام وتطبيق أحكامه ومعالجاته غائباً، وإن الخلاص الجذري والشرعي الوحيد هو بإقامة دولة الإسلام التي ستعيد للناس عزهم وأمنهم وحقوقهم وريع ثرواتهم، بها وحدها صلاحنا وخلاصنا في الدنيا والآخرة، دولة يعيش فيها الناس برعاية الإسلام وينعمون بعدله فضلا عن تحقق مطالبهم الحياتية المحقة الذين يتحركون لتحقيقها، ونسأل الله أن يكون ذلك قريبا في ظلال خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة بشر بعودتها نبي الهدى محمد صلى الله عليه وسلم.
فليشمر عن سواعد الجد كلُّ مخلص يبتغي العزة بالإسلام وليخلص للعمل لنصرة دينه وتحكيم شرعه، فنصر الله ووعده بالتمكين لدينه ولعباده المؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا قادم بإذن الله، فهو القائل في محكم تنزيله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
---------
المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
الثلاثاء، 22 شعبان 1447هـ
10/2/2026م
رقم الإصدار: 1447 / 13
