press

art201017

يُثير انقياد بعض العناصر لقادتهم في كل أمر يصدر منهم سواء أكان في رضى الله أم في سخطه، تساؤلات كثيرة في نفس المتتبع لذلك، فقد رضي الكثيرون أن يكونوا أدوات يستخدمها القادة والمسؤولون حسبما يشاؤون، فأعداء الأمس الذين يُرمَون بالخيانة وتُستباح دماؤهم، يُصبحون أصدقاء اليوم الذين يجب أن نكون معهم في صف واحد وفي جبهة واحدة، مصيرنا هو مصيرهم وغايتنا هي غايتهم، وبالعكس أيضاً يُصبح أخوة الأمس أعداء اليوم، تُستباح دماؤهم وأموالهم، كل ذلك دون أن تتغير المواقف أو المبادئ.

والعجيب العجيب أن يوجد لكل المواقف مُبررون ومُسوّقون يتلبسون بلبوس الشرع حيناً وبلًبوس السياسة حيناً آخر، حتى غدا الشرع يتوافق مع أهوائهم ومصالحهم في كل حين.

وإذا حاولنا معرفة الأسباب التي تُؤدّي إلى مثل هذه المواقف المتذبذبة المتقلبة نجد أهمها ما يلي:

• التكسب بالثورة: حيث تخلى الكثيرون عن مفهوم الثورة والعمل من أجل تحقيق شعاراتها التي كانوا يرفعونها في بدايات الثورة، لتغدوا الثورة عندهم مشروعاً اقتصادياً مُربحاً، فهم لا يُفكرون إلا بمكاسبهم أو برواتبهم ليُصبح هذا الصنف عبداً للدولار ومن يملكه هو من يدفع، فهو السيد المطاع.

• الطاعة العمياء: أما بالنسبة للفصائل أو الحركات ذات الصبغة الإسلامية بشكل خاص، فإنّ الخلل في الفهم الشرعي للطاعة، وسيطرة مفهوم الطاعة العمياء حيث تُنفِّذ كلّ أوامر القائد أو الأمير دون تفكير أو تدبّر، ويغدو الخروج على طاعة الأمير معصية كبيرة حتى ولو كان العناصر يدركون خطأ هذه الأوامر.

• الارتباط الشخصي وغياب المشروع والمنهج: يكتفي معظم القادة بطرح شعارات عامة غالباً ما تلامس مشاعر الناس ويُغيّب المشروع أو المضمون المُحدّد فيستغلّ القائد أو الأمير هذه الشعارات لفرض سلطته المطلقة على من أعطوه قيادتهم دون أن يتمكن أحد من محاسبته لغياب المشروع المُحدّد الواضح الذي تتم المحاسبة على أساسه.

• وجود بعض الشرعيين الذين يبررون للأمير تصرفاته ويزينون للعناصر قراراته ولذلك أسباب متعددة منها جعلهم المصلحة أساساً للحكم الشرعي ومنها المفهوم الخاطئ للسياسة الشرعية فبدل أن تكون رعايةً بأحكام الإسلام أصبحت تنازلاً عن أحكام الشرع وتخلٍ عن الالتزام به.

ولا بد من أجل معالجة هذه الظاهرة الخطيرة على أصحابها وعلى الأمة أيضاً من التركيز على الأفكار التالية:

1- الإخلاص لله بالعمل وجعل رضا الله هو الغاية والالتزام بما أمرنا الله عز وجل.

2- الارتباط بالفكرة المحددة والمشروع الواضح وعدم الارتباط بالأشخاص فقط وخاصة إذا كانوا يرفعون شعارات عامة لا تحمل أي مضمون.

3- التفريق بين مفهوم الطاعة الواعية والطاعة العمياء، فالطاعة الواعية هي المطلوبة شرعاً، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم (لَا طَاعَة لبشرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ) رواه البخاري ومسلم، أمّا الطاعة العمياء فهي طاعة في كل أمر وافق حكم الشرع أم خالفه وكل أمر في معصية الله لا تجوز طاعته.

4- تفعيل مفهوم المحاسبة للأمير أو القائد على أساس الشرع وكذلك محاسبة الشرعيين على ما يُروّجون له من آراء، بعرضها على مقياس الشرع وعدم تأجير العقول لهم.

5- تصحيح مفهوم السياسة الشرعية بأنّه رعاية الشؤون بأحكام الإسلام وليس كما هو شائع أنّه التخلّي عن أحكام الشرع، والتنازل عن الإسلام بحجّة أنّ ذلك سياسةً شرعية، فكم تبدّلت المواقف وأُبيحت المحرمات وتغيّرت حتى الشعارات بحُجّة السياسة الشرعية، وما كان ذلك إلا محاولةً لإرضاء الدول الداعمة أو خشية من دول الكفر التي تكيد بنا.

6- الوعي على أن مصلحتنا الحقيقية هي في طاعة الله وليس فيما تقرره عقولنا ويبُعدنا عن شرع الله، فإعراضنا عن أمر الله واستماعنا لوساوس الإنس والجن لن يُوردنا إلا المهالك، وهذا ما نراه بأم أعيُننا في ثورة الشام المباركة.

إنّ الواجب على الثائرين الصادقين الذين ثاروا على القهر والظلم وهتفوا ملء حناجرهم "هي لله هي لله" وقدّموا من أجل نصرة دين الله الغالي والنفيس وتحمّلوا كلّ أنواع القتل والبطش والتشريد، أن يتفكروا في الحال التي وصلت إليه ثورتهم وفي الأمواج التي تتقاذف سفينتهم، وأن يُدركوا إلى أيّ مصير مجهول يقودهم من تصدّى لقيادتهم فيُبادروا إلى محاسبتهم وعدم التسليم الأعمى لقراراتهم.

ولن يحصل ذلك إلا إذا كنّا نسير على بصيرة من أجل تحقيق المشروع الذي يُرضي الله عز وجل تحت قيادة واعية، فتتوحد كلمتنا ويتصحح مسارنا وتتكاتف جهودنا، عندها نكون أهلاً لأن يمنّ الله علينا بالنصر والتمكين قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ *وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا
حنين الغريب