press

art02121700

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [سورة الروم 41].

بعد سقوط الخلافة العثمانية وتراجع المبدأ الإسلامي عن صدارة المشهد كقيادة عالمية للبشرية أجمع والتي كانت البشرية تعيش في ظل قيادتها وفي كنفها كدولة جاءت لتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

لكن هذه الدولة قد تراجعت عن القيادة ومن ثم تم القضاء عليها من قبل أعدائها وبمساعدة أبنائها، بسبب الضعف الكبير الذي طرأ على فهم الأمة لإسلامها، مما أدى لفقدان الأمة لهويتها ولبعدها عن دينها الذي جعل الله فيه عزتها وكرامتها كما قال عمر رضي الله عنه (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله).

وقد عمدت دول الغرب إلى محاولة طمس هوية الأمة وإضعاف شخصيتها ما أدى إلى أن تفقد الأمة ثقتها بنفسها أمام حملات التغريب والانضباع بالثقافة الغربية، الأمر الذي دفع أبناء الأمة للمساهمة في هدم كيانها المتمثل بدولتها.

وكل ذلك قد ساهم في صعود المبدأ الرأسمالي الذي تصدر لقيادة العالم والذي حملته دول الغرب، وهيأت لاستمراره كل الظروف، وسعت لتثبيته فوق رقاب الأمم، ولاستعبادها ونهب ثرواتها باسم تحرير الشعوب. وقد سخرت لذلك كل الإمكانيات ليبقى حفنة من تجار البشر هم المتحكمون بمصير الشعوب التي تعيش تحت سيطرتهم وتسلطهم.

ولكي تبقى هذه الدول مسيطرة على الأمة الإسلامية من خلال الحفاظ عليها مجزأة إلى أقاليم لها حدود، كان لابد من إبقائها تحت سيطرة الحكام الذين وضعهم الغرب نواطير على تلك الحدود الوهمية، وحراسا على الأمة ينهبون خيراتها ويمنحونها للغرب، ويمنعون أي محاولة لنهضة الأمة، أو لتحطيم تلك الحواجز والحدود فيما بينها. فعمدوا إلى تغيير طريقة التفكير عندها على أساس يخالف الإسلام، وتم دفعها لتقديس تلك الحدود التي أسموها الأوطان، وإيجاد علماء وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم دعاة على أبواب جهنم, وهؤلاء كان لهم الدور الكبير في تخدير الأمة عن النهوض كلما أرادت ذلك متذرعين بذرائع واهية يسوقون لها أدلة من الكتاب والسنة يسقطونها على غير الوجهة التي جاءت بها؛ تارة باسم المصلحة وتارة باسم درء المفاسد التي قد تترتب على حراك الأمة من تضحيات ودماء. متناسين أن من أعظم المفاسد هو غياب الحكم بما أنزل الله وشتات المسلمين وتفرقهم وغياب الراعي الذي يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

وقد سخّروا كذلك إعلاما مشوها، يظهر الاسلام بموضع الاتهام والنقص - وحاشا لدين الله ذلك - فتارة يدّعون أن الإسلام دين لا يصلح أن يحكم بحجة النماذج الفاشلة التي سوقت لصورة مشوهة لتطبيق الإسلام، وتارة تدّعي أن الإسلام لم يأت بشكل لنظام الحكم وأن الخلافة هي حقبة تاريخية ذهبت ولن تعود, وتارة يدّعون أن الشريعة الإسلامية هي فقط عبادات فردية لا علاقة لها بالحياة العامة منكرين أنها أنظمة انبثقت عن العقيدة الاسلامية جاءت بمعالجات وحلول لتخلص البشرية من عنائها وظلمها لبعضها. قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (طه 124).

وقد وصلت الأمة إلى هذا المستوى من الذل والهوان والضياع وأصبحت طريقة تفكيرها من وجهة نظر رأسمالية تقوم على أساس المصلحة ودرء المفسدة واختيار أقل الضررين، مما دفع أبناءها للتعامل مع أعدائها مخافة أن تصيبهم دائرة، وتعاملوا مع الأنظمة العميلة نتيجة خداعها لهم, وزادت جرعات التخدير عندها من قبل علماء مضللين يدعونها للصبر على ظلم الحكام وإجرامهم لكونهم ابتلاء قد كتبه الله عليها بدل الدعوة للإنكار عليهم وتغييرهم.

فكان لا بد من العمل لتغيير هذا الواقع الفاسد على أساس العقيدة الإسلامية، وإعادة حمل الإسلام للأمة حملا صحيحا لتغيير مفاهيمها وطريقة تفكيرها لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد 11).

وقد بدأت ملامح الصحوة في الظهور وأخذت إرادة التغيير والعمل له تتجسد بين أبناء الأمة، حتى وصلت الأمة اليوم لحال خرجت فيها على هذه الأنظمة المجرمة لتغييرها وأقبلت على إسلامها لتعيش في ظل عدله لكنها في الوقت ذاته تحتاج لمن يأخذ بيدها للوصول إلى هدفها ولذا كان لابد للأمة أن تسير خلف قيادة مخلصة من أبنائها، قيادة تمتلك مشروع خلاصها وعزها، (مشروع الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة) حتى تكمل مسيرتها في الوصول إلى أهدافها بتحكيم شرع ربها وإقامة حكم الله في الأرض ليعز الاسلام وأهله ويذل الكفر وأهله، ولتعود للوجود الدولة التي تحمل الإسلام رسالة هدى للبشرية لتنقذ العالم من ظلم الرأسمالية وجشعها.

(وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖوَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم 4-5].

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا
عمر الشامي