press

alraiah070218

كانت الخارجية الروسية أعلنت عن عزمها عقد مؤتمر سوتشي في 18 تشرين الثاني 2017، ونظرا لقرار فصائل المعارضة عدم المشاركة فيه، وكذلك رفض دي ميستورا المشاركة فيه، اضطرت موسكو إلى الإعلان عن تأجيل موعده، مع أن الخارجية الروسية كانت أصدرت دعوات إلى 33 طرفاً لحضور المؤتمر، ولكن أمريكا أرسلت رسالة واضحة وهي أن موسكو لا تستطيع أن تتحرك لوحدها في صياغة حل يفرض في سوريا، وعلى هامش مؤتمر قمة دول أيبك الذي عقد في فيتنام 11/11/2017، أعلن لافروف أن مؤتمر سوتشي أجّل إلى موعد آخر لم يحدده، بعد أن فهم من أمريكا أن المؤتمر سابق لأوانه. ثم أعلن لافروف و تيلرسون في بيان مشترك تأكيدهما على أن جنيف هي المرجعية لصياغة الحل السياسي في سوريا بحسب قرارات مجلس الأمن، أي أن روسيا لا تستطيع التفرد في صياغة الحل.

إلا أن بوتين، الذي يتطلع إلى تجديد ولايته الرئاسية في الانتخابات القادمة في 18 آذار 2018، أراد أن يقدم لناخبيه نصرا سياسيا يتمثل بحل سياسي ما في سوريا يبرر تكاليف الحملة الباهظة التي قادها في سوريا، فأصر في لقائه مع الرئيسين التركي والإيراني في 22/11/2017 على الاتفاق على آلية للسير في صياغة الحل السياسي في سوريا، فقد أعلن النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي، فلاديمير جباروف، أن القمة "ستتناول، بالخصوص، تصرفات الولايات المتحدة في سوريا، من أجل طرح موقف موحد إزاء هذه المسألة". وهكذا بدأت موسكو بالتحضير لإنجاح مؤتمر سوتشي بالتنسيق مع إيران وتركيا، فقد أعلن نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، 23/12/2017، أن مؤتمر "الحوار الوطني" المقرر عقده أواخر كانون الثاني 2018 في منتجع سوتشي سيشهد تشكيل لجنة دستورية، مشيرا إلى أن القوائم يتم تشكيلها بالتشاور مع تركيا وإيران.

وفي 27/12/2017 صرح ألكسندر لافرينتيف المبعوث الروسي الخاص للتسوية السورية أن الحل في سوريا لا يتطلّب المماطلة أبدا وشدد على ضرورة الإسراع في عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي. فهذه المواقف تشير إلى استعجال بوتين لقطف ثمرة التدخل في سوريا.

الموقف الروسي هذا دفع ترامب إلى رسم خطوط واضحة تفيد بأن واشنطن هي من تمسك بمفاصل القرار في سوريا، فقام وزير خارجية أمريكا ريكس تيلرسون بإلقاء خطاب مفصل في جامعة ستانفورد في 11/1/2018، حدد فيه معالم وأهداف السياسة الأمريكية في سوريا. تزامن خطابه مع القرار من البنتاغون بإنشاء قوة عسكرية في المناطق الكردية قوامها 30 ألفا بزعم حماية الحدود ومحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وعلى هامش المؤتمر في العاصمة الفرنسية باريس 23/1/2018، الذي بحث في ملاحقة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيماوي في سوريا ومحاسبتهم، قامت أمريكا و بريطانيا وفرنسا و السعودية و الأردن بإقرار "اللاورقة" التي صاغتها واشنطن قبل ذلك بأسبوعين، هذه اللاورقة قدمت إلى دي ميستورا على هامش جولة المفاوضات التاسعة والتي عقدت في فيينا في 25/1/2018. (تفصيل الوثيقة في موقع قناة الميادين)

هذه "اللاورقة" حددت مفاصل المرحلة الانتقالية في سوريا، وآليات التعديلات الدستورية والعملية الانتخابية، وصلاحيات الرئيس وصلاحيات الحكومة الجديدة، وضرورة المحافظة على الأجهزة الأمنية، وكل ذلك تحت إشراف مباشر من الأمم المتحدة، ما يعني عمليا وضع سوريا تحت انتداب الأمم المتحدة، ولولا العيب والعار لوضعت مباشرة تحت الانتداب الأمريكي. هذا الموقف الأمريكي حدد "سقف" إنجازات سوتشي. وهكذا فأمريكا لم ترد أن تمرغ أنف بوتين في الطين، فسمحت بعقد مؤتمر سوتشي ليكون مجرد "همروجة" "حملة دعائية" تخدم الحملة الانتخابية لبوتين، وقبلت أن تبارك المؤتمر بالسماح لدي ميستورا بحضوره. مع أن دي ميستورا لم يشارك في الجلسة الافتتاحية، إلا أنه كان اشترط، حسبما نقل مراسل صحيفة "الشرق الأوسط" في مؤتمر سوتشي، بحصر مهمة تشكيل "اللجنة الدستورية وتحديد مرجعيتها وآلية عملها وأعضائها بدي ميستورا، وعملية جنيف برعاية الأمم المتحدة".

وهكذا خلص المؤتمر إلى إصدار بيان عام من أهم ما جاء فيه: "اتفقنا على تأليف لجنة دستورية تتشكل من وفد الحكومة في الجمهورية العربية السورية ووفد معارض واسع التمثيل، وذلك بغرض صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 2254". ولم يتطرق البيان إلى القضايا الأساسية مثل دور الأمم المتحدة والسلطة ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان واستعمال السلاح الكيميائي ووجود القوات الأجنبية على الأراضي السورية. ولا يعرف أحد كيف ومتى تمكن المشاركون الـ1300 أو يزيد من مناقشة البيان، الذي سبق أن أعلن بوغدانوف تحضيره منذ كانون الأول 2017، فهم لم يفعلوا أكثر من التوقيع عليه!

أما المسرحية الهزلية التي قام بها وفد المعارضة من الاحتجاج الصاخب في مؤتمر سوتسي اعتراضا على رفع علم النظام السوري، واعتبار ذلك قضية مصيرية تبرر خيانتهم في اللهاث وراء "جنيف" بدلا من "سوتشي"، فقد فضح بيان الخارجية التركية كذبهم ونفاقهم، وكشف البيان أن أنقرة تسلمت تفويضاً من الوفد المنسحب لتمثيله خلال أعمال المؤتمر، الأمر الذي انتهى بتسمية 50 شخصاً من الوفد ليكونوا أعضاء في اللجنة الدستورية التي أعلن البيان الختامي لمؤتمر "الحوار الوطني السوري" التوافق على تشكيلها (والتي تضم 150 شخصا، أي أن حصة معارضة أنقرة، والتي تشمل منصات موسكو و القاهرة
و الرياض، تشكل الثلث).

من المعروف في تاريخ البشر أن النزاعات عادة تنتهي بحل سياسي يعكس معادلة المنتصر والمنهزم فيها. وأخطر ما في قرار مؤتمر سوتشي بإنشاء لجنة دستورية يكمن في كونه يمهد لسكة الحل "السياسي" (المغطى بالدماء والأشلاء وبالسلاح الكيماوي، ومن ذلك عشرات الغارات الجوية التي شنها طيران الدولة الضامنة للسلام - روسيا على سراقب في عشية مؤتمر سوتشي) في جنيف.

أما السؤال الأساس فيبقى: متى تسترد الأمة قرارها من دهاليز قوى الاستعمار الكافرة التي تتربص بنا شرا وتمكر ضد أمتنا ليل نهار يعاونها في ذلك حكام المسلمين (من الملالي في طهران أصحاب "يوم القدس" إلى من يزعم سيره على سيرة أرطغرل في أنقرة) وقادة الفصائل الذين يباعون ويشترون بالدولار، وقادة الفصائل الذين يزعمون رفعهم لراية الإسلام بينما هم ينفذون قرارات أستانة عبر الوسيط التركي تارة أو مباشرة تارة أخرى؟


 كتبه لجريدة الراية: د. عثمان بخاش، مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير، بتاريخ الأربعاء 7 شباط/فبراير 2018م
المصدر: http://bit.ly/2nNtseH