press

art110218

تمر الأعوام الصعاب تباعا على أهل الشام ويزداد فعل الإجرام فيهم كلما طال بالمجرمين الزمن آمنين في مراكزهم القمعية ومستعمراتهم المحمية ممن يلتزم الخطوط الحمراء معللا ذلك بالسياسة الشرعية التي تطابق دوما ما توعز به دول علمانية صديقة للثورة كما يسمونها.

ما كان لهذه الكائنات المتوحشة أن تفتك بأهل الشام وتفعل فيهم أبشع الجرائم لو أنها ضُربت حيث يجب أن تُضرَب، فمن حمل السلاح وأعلن عن نفسه فصيلا مدافعا ومحررا، عليه أن يكون على قدر من المسؤولية يجعله بارا بما وعد به.

"هل المعركة سياسية أم عسكرية؟"، لو وجه هذا السؤال إلى قائد فصيل مسلح قبل أعوام قليلة لما تردد في الإجابة ولكان الرد واضحا بأن هذا النظام لا يُزال إلا بالقوة، وهذا الذي حول فعل الدفاع ابتداءً إلى أشكال منظمة من التكتلات العسكرية التي قدمت نفسها على أنها الحاسمة للمأساة، القاصمة لظهر القتلة من أركان النظام وأحلافه.

لكن السؤال اليوم لو طُرح مجددا، فإن غالبيتهم سيعلنها صريحة، بأن الحسم العسكري ما عاد ممكنا، وفي مثل هذا القول صدى لتصريحات دولية من الدول الكبرى أو (الصديقة) التي تردد دائما أن الحل في سوريا هو حل سياسي.

مما لا شك فيه أن للعمل السياسي أهمية كبير، وأننا لا يمكن أن نتصدى لمؤامرات أعدائنا دون عمل سياسي مبدع، وأن الثورة تحتاج حتى تسير إلى تحقيق أهدافها، وإنجاز تطلعاتها، إلى قيادة سياسية واعية. ولكن ليس العمل السياسي المطلوب ولا الحل السياسي المطلوب هو بالمفهوم الذي يروج، والذي يُراد للثائرين أن يستسلموا له، هو ليس الحل السياسي الذي أوعزت به أمريكا، ووقّع عليه المشاركون في جنيف، واستجاب له قادة روسيا وتركيا وإيران، وعقدوا تحت سقفه المشاورات والمؤتمرات، ثم جاؤوا بعصبة من "الممثلين على الثورة" جعلوا منهم قيادة سياسية مأجورة لتمثل دور العمل السياسي، والقيادة السياسية، وذلك لشرعنة هذا الحل المرسوم مسبقا.

الحل السياسي الذي نتحدث عنه ويجب أن تسعى إليه ثورة الشام، والذي يجب أن توجههم إليه قيادتهم السياسية،هو الذي ينتهي بجحافل المقاتلين في وسط دمشق مكبرين مهللين، وهو الذي يدفع ثوار الشمال إلى إحكام القبضة والسعي للسيطرة على الخزان البشري للنظام غرب البلاد لضرب حاضنته، ويمكنهم من الإمساك بالساحل على امتداده... هو الذي يفضي أيضا إلى كسر عقدة الوسط جغرافيا والإمساك بشبكة الطرق الحيوية وقطع كل شرايين الحياة عن النظام ومن هم في صفه من المناصرين.

هذا يلزمه خطوات عسكرية وعملا مسلحا بكل تأكيد لكنه ليس حلا عسكريا، بل هو عمل عسكري لتحقيق هدف سياسي بلا شك. فمثل هذه الأفعال لا يقوم بها المنقادون إلى من يسمون "الأصدقاء"، ولا المحتاجون إلى أموالهم، ولا المتذللون على أعتاب مخابراتهم؛ ومثل هذه الأفعال لا تؤديها غرف عمليات مؤقتة لا تلبث أن تجتمع حتى تتفرق، ولا تقوم بها فصائل ترى في غيرها من الفصائل خصوما وأعداء أو منافسين على مناطق السيطرة المحدودة، التي أصبحت هدفا للفصائل بسبب غياب المشروع الجامع،الذي يبين الثوابت التي لا تنازل عنها، ووفقه ترسم الاستراتيجيات، وخطوات الطريق الأساسية، التي تؤدي طبيعيا إذا سرنا فيها إلى تحقيق الغاية، ورفع الراية التي نرجوها خفاقة تنتصر للمظلومين، وتقتص من الظالمين كل الظالمين.
فمن أراد بالشام وأهلها خيرا فعليه أن يقدم مشروعه الذي يحمله ليجمع معه عليه غيره للعمل من أجل تطبيقه في واقع الحياة.

وقد قدم إخوانكم في حزب التحرير مشروعا منبثقا من عقيدتنا، ومستنبطا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، إنه مشروع "الخلافة الراشدة على منهاج النبوة" الذي يجمع جميع أبناء الأمة أخوة متحابين، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى، مقياسهم الحلال والحرام، وتسابقهم هو من أجل نيل رضوان الله، وليس إلى متاع من الدنيا قليل أو منصب معوج الكرسي.

إنه مشروع الإسلام العظيم، الذي يجمع شتاتنا ويوحد صفنا ويحقق عزنا ويقطع يد المتآمرين عن العبث بثورتنا وسلب قرارنا، به نحسن التوكل على الله ويكون عملنا نصرة لدينه، وإعلاءً لكلمته جل وعلا.

إنه المشروع الذي يحقق سيادة الشرع، ويعيد للأمة سلطانها المسلوب، ويجعل من متقاتلي الفصائل ومرتهني الإرادة عندما ينصرونه، يجعلهم أنصار لله، يعيدون سيرة أنصار رسول الله رضوان الله عليهم.

وبمشروع الإسلام وحده نواجه مشروع الغرب الكافر الذي يريد فرضه علينا، وتحت القيادة السياسية للمخلصين من حملته نحقق بعون الله أهداف ثورتنا ونرد كيد أعدائنا الى نحورهم.

فهو مشروع الأمة لا حياة لها إلا به، ولا خلاص إلا بتبنيه والعمل من أجل ايجاده في واقع الحياة مطبقا في ظل دولة يعمل الجميع من أجله كل حسب إمكاناته ومقدرته

وهو خطوة الإنقاذ العاجل فإما أن ينتصر مشروع الإسلام العظيم الذي يمكننا من تربع مواطن العز، وطي صفحة الذل، أو أن ينتصر مشروع أمريكا الصليبية الحاقدة، ومن في ركبها الذي سيعيد الشرعية لنظام الإجرام ومؤسساتها المتوحشة؛ لأن الصراع على أرض الشام - كما نكرر دائما وكما هو جلي - هو بين مشروعين لا ثالث لهما:
مشروع الإسلام العظيم الذي يحمله المخلصون الواعون من أبناء هذه الأمة، ثوابته مستمدة من ثوابت بيعة العقبة الثانية التي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار رضوان الله عليهم، والتي أسست لقيام دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة. وبين مشروع الغرب الرأسمالي الحاقد وعلمانيته العفنة الذي يسمى لفرضها علينا عبر ثوابت مؤتمرات جنيف 2 وغيرها التي يروج له زورا وبهتانا على أنها الوصفة السحرية التي ستنقذنا مما نحن فيه، وأنه لا بديل عنها إلا مزيدا من القتل والتدمير والتهجير.

فهل نتمسك بثوابت العقبة الثانية التي وضعها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وننصر مشروع "الخلافة الثانية على منهاج النبوة"، أم نتمسك بثوابت يحاول فرضها علينا أوباما وترامب وبوتين وغيرهم من الحاقدين وزعماء دول الإجرام الصليبي، ونكون عبيدا وخدما لهم ولمشروعهم العلماني وحلهم السياسي القاتل؟!

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا
حسن نور الدين