press

432019 india

ولدت بعد طول انتظار، كان الجميع على موعد معها وينتظر قدومها، لم يدّخر أحد جهدًا ولا مالًا في سبيل رعايتها والحفاظ عليها حتى بُذلت في سبيل الحفاظ عليها الأنفس والدماء، عاشت أيامها الأولى في بيئة صحراوية حيث صعوبة العيش ووعورة الأرض، تحملت كل ذلك مع أنها لاتزال غضة طرية؛ ولكن بفضل الرعاية الممنوحة لها من أهلها استمرت حتى ذاع صيتها، مما سبب الهلع لأعدائها فمكروا وخططوا وجيشوا، ولكن عناية الله لها وصدق أهلها جعلها ترسخ في الأرض. انتقلت من صحراء الجزيرة العربية والرمال والبادية إلى الحواضر والمدن، وصلت إلى الشام وبغداد، حطت رحالها في بلاد ما وراء النهر، سكنت اليمن والمغرب، توغلت شرقًا حتى وصلت إلى تخوم الصين، وشمالًا حتى حدود روسيا، وغربًا حتى وصلت لإسبانيا.

هي العفيفة الشريفة التي تصون الدماء والأعراض وتغدق الأموال وتعطي العطايا، هي الأم الحنون التي إذا ما تعرض أحد أبنائها لسوء حرّكت له كل قواها حتى تعيد له حقه وتقتص ممن اعتدى عليه، حافظة لكتاب الله قولًا وعملًا، وصلت لأوج قوتها حتى أصبحت محط أنظار كل من سمع بها، كانت ملاذ الخائفين والمظلومين ومقصد كل طالب علم. عندها التجارة والصناعة، منها علوم الطب والفلك والرياضيات والنحو. بنَت المساجد والجامعات، شيّدت الجسور واستجرّت المياه للبيوت والحقول، حدِّث عنها ولاحرج.

لم يحتمل أعداؤها أن يروها تزداد قوة وجمالًا يومًا بعد يوم رغم كل ما مرّت به من أزمات، فقرروا أنه إذا لم نستطع قتلها بأيدينا فيجب أن نجعل أبناءها يقتلونها بأيديهم وعلينا أن نتحين الفرص لذلك. حصل لهم ما أرادوا فقد مرت بوعكة صحية ولم يفطن الأطباء لعلاجها مع أنهم كُثُر، ضجر منها في مرضها بعض العاقين من أبنائها فكانوا الثغرة التي تسلل منها الأعداء فأغروهم بالمال والمناصب والامتيازات، لكنهم رغم كل ذلك لم يمتلكوا القوة للإجهاز عليها فأرسل الأعداء أحدَ رجالهم حتى وصل إليها فأجهز عليها وسط أبنائها! فصفق له الذين باعوا ذممهم وبكى عليها من علِم من أبنائها عِظم المصاب. رثاها الأدباء والشعراء بعد فراقها، حيث قال أحمد شوقي في رثائها:

عادت أَغاني العُرسِ رَجعَ نُواحٍ
ونُعيتِ بين مَعالِمِ الأَفراحِ
كُفِّنتِ في لَيلِ الزِّفافِ بثوبِهِ
ودُفِنتِ عند تبلّجِ الإصباحِ
شُيِّعتِ من هَلَعٍ بِعبرَةِ ضاحِكٍ
في كُلِّ ناحيةٍ وسكرةِ صاحِ
ضَجَّت عليكِ مآذِنٌ ومَنابِرٌ
وبكت عليكِ ممالكٌ ونَواحٍ
الهِندُ والِهةٌ ومِصرُ حزينةٌ
تَبكي عليكِ بمدمعِ سحاحِ
والشَّامُ تَسأَلُ والعِراقُ وفارسٌ
أَمَحى من الأَرضِ الخِلافةَ ماحِ
وأتت لكِ الجُمعُ الجلائلُ مَأتَمًا
فقعدنَ فيه مقاعدَ الأَنواحِ

إنها دولة الخلافة الإسلامية التي أقامها النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة بقدومه إليها؛ التي أُخرج الناس فيها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، وقد أعلن نهايتَها اللعينُ مصطفى كمال بتاريخ الثالث من آذار عام 1924 حيث تم إعلان سقوط الخلافة العثمانية وإعلان الجمهورية التركية على أنقاضها. وإنني إذ أخط حروفي هذه في الذكرى الـ95 لسقوطها فإن القلب يعتصر ألمًا على فقدها ولكن الثقة بوعد الله بعودتها يجعل الطمأنينة تسري في عروقي، اللهم عجل بها يارب العالمين فإنك ولي ذلك والقادر عليه.

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير- ولاية سوريا
أحمد عبد الجواد