press

832019road

 

لو سألت الناس عن أركان الصلاة لما اختلف عليها اثنان، وكذلك لو سألت عن الزكاة والصوم وجميع الأحكام الشرعية. ولكن إن سألتهم عن كيفية تغيير المجتمعات والوصول لإقامة دولة تحكم بشرع الله لأعجزتك كثرة الأطروحات وكأن الكلام عن مباح أو مندوب قد يختلط فهمه وليس عن فرض وحكم شرعي له كيفية وأركان لا يقام إلا بها. أرسل الله عز وجل نبينا عليه الصلاة والسلام للبشرية جمعاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويغير الحكم الجاهلي إلى حكم إسلامي أوحاه الله له فسار عليه كما أمره الله وتمثل بخطوات شكلت بمجموعها الطريق الواجب اتباعه لكل من أراد السير في طريق إقامة دولة الإسلام.

الخطوة الأولى: منذ بدأت البعثة سار نبينا يدعو من التمس فيه الخير من أهل مكة فدعا خديجة فأسلمت ودعا أبا بكر وعلي وزيد بن حارثة، واستمر بدعوته لكل من يلتمس فيه الخير وقبول الدعوة. وكان يعلّم النبي من آمن به وبدعوته في دار الأرقم العقيدةَ ويثقفهم بالإسلام ليحملوه في مجتمعهم ويعينوا الرسول في دعوته، وكان يحرص النبي أن يثقف كل من آمن به بالثقافة الإسلامية ويأتي به إلى دار الأرقم حتى يكتّلهم ويصقلهم ويكونوا قادرين على السير معه، فكان يريد بذلك جعلَهم جماعةً مثقفة منظمة حتى يحملوا معه الدعوة، فلا يستطيع النبي أن يقوم بهذه الدعوة منفردًا ولا بد من جماعة؛ فكانت هذه هي أولى خطواته في طريق سيره.

الخطوة الثانية: أظهر النبيُ الكتلةَ التي كان يثقفها ويعلمها في دار الأرقم بعد إخفائها لثلاث سنين، لتبدأ عملها في مجتمع مكة وتُبرز ما تعلمته في دار الأرقم فتباشر بالصراع الفكري وتحارب مع النبي الأفكار الجاهلية السائدة في مكة كوأد البنات وتطفيف المكيال وعبادة الأصنام؛ ونزلت في هذه الأفكار آيات كثيرة تبين زيفها وخطأها فمثلا نزلت: (وَإِذَا الْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ* بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَت) لضرب فكرة وأد البنات ودفنهن أحياء. ونزلت: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) لضرب فكرة تطفيف المكيال، وهكذا.

ومارست الكتلة مع النبي الكفاحَ السياسي بضرب حكام مكة وتسفيههم وتحقيرهم أمام قومهم حتى ينبذوهم ويُعرِضوا عنهم وتنفصم العلاقة بين الطبقة السياسية الحاكمة وبين الناس ليَسهُل نشر الدعوة. ونزلت في حكام ورؤوس قريش آيات تسفههم وتحط من شأنهم، فمثلًا نزلت: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ* مَآ أَغْنٰى عَنْهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ) لتسفيه أبي لهب وتعريته أمام قومه، ونزلت أيضًا آيات في الوليد بن المغيرة وهكذا. فكانت هذه الخطوة الثانية في سير النبي وجماعته (الصحابة).

الخطوة الثالثة: وهي المشروع الذي سيحكم به نبينا عند وصوله للحكم، وكان يملك مشروعًا كاملًا ألا وهو الإسلام ويقول لقومه قولوا لا إله إلا الله تدين لكم بها العرب والعجم، فكان نبينا يعلم أنه سيحكم العالم بالمشروع الذي يحمله، وهل هناك أعظم من المشروع الذي أمره به خالق السماوات والأرض؟! وتجسد ذلك عند وصوله للمدينة من بناء المسجد الذي صار دار رئاسة ومن كتابة الوثيقة والمباشرة بحل المشكلة الاقتصادية الناجمة عن مجيء المهاجرين الذين تركوا أموالهم في مكة فآخى بينهم وبين الأنصار. وهذه هي الخطوة الثالثة التي كان يسير عليها نبينا في طريق العمل والتغيير للحكم بما أنزل الله.

الخطوة الرابعة:
كان نبينا وصحابته (الجماعة) يعملون على تهيئة المجتمع الذي سيحكمونه بمشروعهم (الإسلام) فقد أرسل نبينا مصعب بن عمير إلى المدينة ليهيئها للقبول بهذه الدعوة ولتتحمّل أعباء هذا المشروع وتدافع عنه وتحمله مع النبي للعالمين؛ فبقي مصعب يدعو ويعمل ويبذل قصارى جهده في سبيل ذلك، وكانت بعدها بسنة هجرةُ النبي ليحكم المدينة بعدما أرسل له مصعب أن ذكر الإسلام والرسول فشا في المدينة وأصبح أهلها مستعدين للحكم بمشروع الإسلام.
.
الخطوة الخامسة والأخيرة:
بعدما بقي النبي وصحابته عشر سنوات يدعون في مكة، وإذ تجمّد مجتمعُ مكة وتحجّر في وجه الدعوة ولم يقبل بها وحاربها وعاداها أشد العداء! خرج نبينا يطلب النصرة له ولمشروعه من القبائل في الجزيرة بأمر من الله كما جاء عن ابن عباس: "حدثني علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى، حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أبو بكر وكان نسابة فقال: من القوم؟ فقالوا: من ربيعة. فقال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل -ذكروا حديثًا طويلًا في مراجعتهم وتوقفهم أخيرًا عن الإجابة- قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، وهم الذين سماهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأنصار لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضوا حتى بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-". فكان خروجه عليه الصلاة والسلام لطلب النصرة وحيًا وأمرًا من الله، وقد لاقى في ذلك أشد ما لاقى عندما ذهب إلى الطائف فكذبوه واستهزؤوا به وأدْمَوا قدميه.

هذه طريقة رسول الله في إقامة الدولة وطريق التغيير المنتجة، فهذه الخطوات هي الخريطة والبوصلة لكل من أراد أن يحكم بالإسلام ويعمل له؛ فهي وحي من الله سطرها نبينا في طريقه لكل من سيأتي بعده. أسأل الله أن يعيننا ويكرمنا بتأدية هذه الطريقة حق الأداء وينصرنا في دولة تحكم بما أنزل الله وتنشر الإسلام وتنير الأرض وتخرج الناس من مستنقعات الجاهلية المقيتة والرأسمالية والديمقراطية، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير- ولاية سوريا
نور الدين الحوراني