press

17 4 2019 tadafu3 alhdarat

 

لقد ثبت أن رقي الحضارات وتقدمها ونهضتها هو بسبب مجموعة من المفاهيم والأفكار والقيم التي تكون أساسا يجتمع عليه الناس فتقودهم هذه الأفكار إلى تجسيد ذلك في مجتمع  تظهر فيه سمات التناسق الشعوري والفكري، ويحكمه نظام من جنس هذه الأفكار، وتكون العقيدة هي أساس هذه الدولة، هكذا تتكون الحضارات وتُدفع الشعوب إليها، ويكون من نتيجة ذلك صراع دائم بينها وبين من يحمل نقيض هذه الأفكار والمفاهيم. يتجسد ذلك ويظهر في قول الحق تبارك وتعالى: (وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضࣲ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ).

إن سنة الله عز وجل في الصراع القائم بين الحضارات هي سنة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، ولو نظرنا قبل التاريخ الإسلامي لوجدنا أن كثيرا من الحضارات كانت في حالة تصارع كي تطبق جملة الأفكار والمفاهيم على الشعوب، فتصارُع الفرس والروم وغيرهم، والتاريخ المزدحم بالمعارك الدامية دليل على هذه السُنة.

وبعد أن أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وطبق النظام الإسلامي، وسادت في تلك الفترة  أفكار هذه الحضارة الجديدة وجملة المفاهيم المتعلق بها، وسيطرت على مناطق شاسعة وواسعة من أرجاء المعمورة وظهر هذا المبدأ على باقي المبادئ، لم يطب هذا الوضع (أي سيطرة المبدأ الإسلامي) في تلك الفترة للحضارات الأخرى، مما جعل الصراع والمعارك لا تهدأ طيلة حكم هذه الحضارة، وحتى فيما بعد، أي بعد أن حقق الغرب مطلوبه بإنهاء الدولة الإسلامية -التي كانت حاضنة لهذا المبدأ والحضارة- استمر هذا الصراع ولكن دون كيان للمسلمين.

ذلك الصراع بين الدولة الرأسمالية وبين المسلمين تجلى في ناحيتين:

أولا: أن هناك دولة حاضنة للحضارة الجديدة، ذات صدر موغل بالكره واللؤم والحقد، عرفنا هذا الحقد من علاماته المتمثلة بسلوك الدول الغربية الدائم في نهب ثروات المسلمين، وقتل المسلمين وحرقهم، وارتكاب المجازر المتوحشة بهم.

ثانيا: أن الصراع قائم على صراع الأفكار والمفاهيم، وقد وصل اليوم أوجَه بين الأفكار الغربية المنتمية إلى حضارة النظام الرأسمالي وبين أفكار ومفاهيم النظام الرباني، ويتجسد ذلك في سعي النظام الغربي لمحو هوية الأمة وضرب فكرتها، وما انضباع بعض المسلمين بذلك عنا ببعيد. ويتجسد الصراع حتى ضمن أدبيات منظري هذه الحضارة ومفكريها الذين وإن كان البعض منهم ينتهج منهج الحيادية الفكرية، ولكن حين يصل الأمر لذكر الحضارة الإسلامية تراه يضع حياديته جانبا ويعبر بكل فجور عما يستقر في صدره! وعبارة: "اذبحوا الأمة الملعونة" التي قالها الأديب الفرنسي الشهير "فيكتور هيجو" خير دليل على ما نقوله.

واليوم وبعد أن وضحت معالم الصراع، وجب علينا أن نتنبه وأن نكون يقظين واعين على كل تفصيلاته، وأن نفهم ما يحصل علينا من أحداث وما يخطط لقضايانا ضمن هذه النقطة المركزية (صراع الحضارات)، وإيانا أن نحسن الظن بعدونا، فبذلك المهلكة. ووجب أن يكون عملنا اليوم واضحا وصريحا، ألا وهو بذل كل الوسع والجهد في إعادة حضارتنا لقيادة العالم من جديد من خلال إيجاد حاضنتها (الدولة) كي تجسيد المفاهيم  والأفكار الإسلامية التي وافقت فطرة الإنسان وأقنعت عقله من جديد، وأن نعتقد -وننقل هذا الاعتقاد- بأن ما نملك هو وحده الكفيل بإخراج الناس من ظلام هذه الحضارة المعاشة اليوم، وهذا يدفعنا لأن نأخذ بأسباب النصر، متوكلين على الله وحده مسبب الأسباب ومهيئ الظروف عسى أن يكون فينا ما يسره الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأن نتمسك بما بين أيدينا، فما بين أيدينا ليس خلاصا للمسلمين فحسب، بل للعالم أجمع من تغول أسياد المال والسلطة والجاه. (وَیَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَرِیبࣰا).

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير- ولاية سوريا
محمد أبو حمزة