press

1962019raay2

 

لو تجولت في مدن وقرى المناطق المحررة ولو قدر لك أن تلتقي الناس في المناطق التي استولى عليها النظام المجرم على حين غفلة من أهلها كحوران والغوطة لسمعت الناس كيف يتحدثون عن الثورة، وللفت انتباهك أمران مهمان أحدهما أسف وحسرة على سيرة الثورة في الوقت الحاضر لأنها انحرفت عن ثوابتها وارتهن قرارها، والثاني شوق وحنين ولوعة لماضي الثورة في سيرتها الأولى، وغالبا ما تسمع في كلامهم رغبتهم في أن يعيدوها سيرتها الأولى.

فسيرة الثورة الأولى ورود عطرة في أذهان أهل الشام وسيرتها اليوم مريضة عليلة من كثر ما لحق بها من الطفيليات والمسببات الممرضة.

ولكن عندما يتحدث المرء عن السيرة الأولى يرغب أن يحدد ملامحها.

فما ملامح ومواصفات الثورة في سيرتها الأولى قبل أن تنحرف بمال الداعمين؟

لعل أبرز ملامح السيرة الأولى للثورة أنها كانت متدفقة نحو الأمام بحيوية والناس نحوها كالأمواج المتلاطمة في مظاهراتهم السلمية وأعمالهم الثورية، فهي تملأ قلوب أعداء الثورة خوفا ورعبا.

سيرتها الأولى انتصارات متلاحقة ومواقف للناس فيها منسجمة مع توجهاتهم والتضحيات التي يقدمونها على أشدها في الثورة والجهاد وتشمل كل الأعمار.

سيرتها الأولى ثورة قوية جارفة فلا يستطيع أغلب أعداء الثورة أن يقفوا علنا في وجه الثورة أو أن يتحدوها، وهذا ما يفسر تحول أعداء الثورة إلى "أصدقاء" الشعب السوري يتسابقون في تقديم الإغاثة والمساعدات وبعض قطع السلاح ويفتحون الحدود ويستقبلون اللاجئين ويزايدون في قضاياهم.

سيرتها الأولى أن جميع أهل الشام هم أهل الثورة لكن الذين يركبون في مركب الثورة منهم في تنامٍ وازدياد... هذه الملامح لو دققتها لاستخرجت مواصفات السيرة الأولى للثورة وهي:

1- ثورة في سيرتها الأولى ثورة شعب وليست ثورة فصائل.

2- بالرغم من وجود أطراف حثت ودفعت نحو الثورة لكن قرار الثورة بقي قرارا شعبيا في سيرتها الأولى.

3- لم يكن للدول يومها تأثير على قرار الثورة لأن قرارها كان بيد الحاضنة؛ لذلك رغم تلقي الإغاثة والمساعدات لكنها لم تحرفها يومها عن سيرتها الأولى.

4- لأن الدعم هو من أبناء الشعب لذلك لم تستطع الدول أن ترهن قرار الثورة.

5- هناك من أهل الثورة من يتخذها قضية له فيضحي لأجلها في سبيل الله وكلما فقدت الثورة قائدا حل محله آخر.

6- الثورة في سيرتها الأولى كانت واعية على مشهد تونس ومصر لذلك استدلت بهما فهي وإن لم تتخذ قيادة سياسية توجهها حينها لكنها لم تنحرف بسبب وعيها على المطلوب حينئذ وعندما تحتاج للوعي تظهر الحاجة للقيادة السياسية الموجهة.

بيد أن الدول اجتمعت على ثورة الشام فضخت الأموال والسلاح وتبنت الفصائل فصار لكل قائد حظوة عندهم وصار لكل مقاتل راتب شهري وصار للفصيل كتلة مالية ودعم، وأما الخطط وحتى الأهداف فلا بد أن تعرض على الدول حتى تعلم بها تفصيليا.

ثم فيما يلي دخلت الدول فحالت بين الفصائل والحاضنة حتى ابتعدت الحاضنة عن مهمتها وتقدمت الفصائل نحو الدول حتى استبدت بالقرار فتحولت الثورة إلى ثورة فصائل فهي المتحكمة ولم تعد ثورة شعب.

وصار للدول تأثير على الفصائل التي رهنت قرار الثورة وأما قرار الفصائل فبيد القادة.

وبلغ الاعتماد على الخارج في الموارد مبلغا كبيرا فمن الطحين... للثقيل كله من الخارج بيد الدول المتحكمة.

لم تستطع الثورة أن تهتدي إلى من يرشدها على خط الثورة ولم تستطع أن تتبنى القيادة السياسية المؤهلة صاحبة المشروع والرؤية الصحيحة وإلا لكانت نجت من الضياع.

والحق أن الدول بذلت جهودا مضنية وقدمت أموالا طائلة لتحييد الحاضنة وفصلها عن المجاهدين والثوار كي تتمكن الفصائل من سلب قرارها ثم يجري رهن قرار الفصائل فيخرج القرار من أيدي أهل الثورة.

فالطبيعي إعادة سيرة الثورة الأولى. وكانت تحتاج لجهود عظيمة وتضحيات كبيرة وبذل الغالي وتحمل المعاناة وقد حصل كل هذا لأهلنا في الشام.

واليوم وبعد دخول الثورة عامها التاسع فقد بدت ملامح الثورة في سيرتها الأولى تظهر من جديد على الثورة.

فالفصائل التي رهنت القرار صارت في أذهان الناس فاشلة لم تعد الحاضنة ترى فيها القدرة على تحقيق النصر.

ولأن الحاضنة تخلت عن الفصائل فإن الفصائل ضعفت واتسع الشرخ فيها فهي اليوم آيلة للتصدع والقادة يرون ذلك ويعرفون حجم التصدع القادم ولا يستطيعون فعل شيء لردمه.

وأما قادة الفصائل فنظرة أهل الثورة لهم أنهم أغراب عن أهلهم بعيدون عن ثورتهم قريبون من داعمهم ليس فيهم أمل أن يقودوا الثورة للنصر...

لكن رغم ذلك فإن الحاضنة تفرق اليوم بين المجاهدين وبين الفصائل. فالمجاهدون أبناؤها فهي تشد على أيديهم وتثمن تضحياتهم وتحتفل بإنجازاتهم وتحب أن تحتضنهم بينما تخاف الفصائل وترقبها وتحذر منها وتخشى من توجهاتها حتى لو فتحت معركة فإنها تخشى الخطوط الحمر.

لقد باتت الناس تكره الدولار في إشارة لكرهها للداعمين وبغضها للدول المتحكمة بالقرار.

واليوم فقد بدأت الثورة تستعيد قرارها الذاتي وتمضي في تحمل مسؤولياتها، ففي المعارك الأخيرة حيث دخل النظام المجرم إلى كفر نبوذة وقلعة المضيق وقرى أخرى وقصف وهجر ودمر البيوت ونهب الممتلكات.

فقد أصدرت الحاضنة مجموعة بيانات عبرت عن موقفها المتميز؛ فأول مرة تحمل الحاضنة الفصائل مسؤولية ما حصل على الجبهات من تخاذل في الدفاع عن البلاد وتقصير في الصد وامتناع عن فتح محاور جانبية تقلب الطاولة على رأس حلف النظام المجرم...

لقد طالبت الحاضنة المخلصين من المجاهدين أن يأخذوا دورهم ويتحملوا مسؤولياتهم ويتخذوا قرارهم في الدفاع والتصدي لعدوان حلف النظام المجرم كي يستعيدوا المناطق ويتابعوا الزحف إلى دمشق لإسقاط النظام المجرم.

وأكثر من ذلك فقد أعلنت الحاضنة ولأول مرة أنها قررت العودة لدورها وممارسة مهمتها في رعاية المجاهدين المخلصين والإنفاق عليهم ودعمهم ماديا ومعنويا والوقوف سندا لهم وحمايتهم.

إن عودة الحاضنة لتكون صاحبة القرار في الثورة فتحاسب من أجرم وتقوّم من أخطأ وتحث الخطا نحو أهدافها.. فترجع الثورة ثورة حاضنة كما كانت، لهي الملامح الحقيقية لإعادة سيرتها الأولى.

فإذا احتضنت المجاهدين وساعدتهم على اختيار قيادة عسكرية مخلصة من خيار الضباط الأتقياء أصحاب الكفاءة ليشرفوا على دمج المجاهدين في جسم عسكري مخلص محتضن يبدأ معارك النصر بإذن الله حتى يصل لدمشق لا يوقفه عدل عادل ولا جور جائر... فيكون نصر وراء نصر.

فإن سارت الحاضنة هذه الخطوات بمساعدة وإرشاد من حزب التحرير ثم نجحت بتبوؤ مكانها والعودة لدورها، هنا تكون الحاضنة قد اتخذت حزب التحرير قيادة سياسية لها وهنا تكون الثورة قد استوفت ما يلزمها لانتصارها:

1- برنامج تسير عليه (ثوابت للثورة).

2- قيادة عسكرية مخلصة تقود المجاهدين في جسم عسكري مخلص محتضن.

3- حاضنة تحتضن المخلصين والقيادة السياسية على ثوابت الثورة.

4- القيادة السياسية صاحبة الرؤية والمشروع متمثلة بحزب التحرير.

والحمد لله رب العالمين

 

بقلم: المهندس كامل الحوراني

جريدة الراية: https://bit.ly/2Fhwh0W