press

2682019keyana

 

اشتهرت عن العز بن عبد السلام رحمه الله مقولة "من نزل بأرض تفشى فيها الزنا فحدث الناس عن حرمة الربا فقد خان". عجيبة هذه المقولة! وهل يخون وهو ينقل العلم ويبين الفرض وينهى عن الحرام؟ نعم يخون كما يقول العز رحمه الله؛ وعليه أعطف فأقول: من قاد الناس إلى محور قتال ومنعهم عن محور آخر رضوخا للإملاءات الدولية فقد خان أيضا، وهل يخون من يتصدر الجبهات ويشهد المعارك في أولى الصفوف؟ نعم يخون؛ ولأن توضيح الواضح من اللفظ صار ضرورة في أيام يُحمَّل فيه الكلام ما لا يحمل فإنني أقول بثقة: هذا تخوين للقادة ولا أشير فيه إلى الجنود.

ولعل مفهوم الخيانة الذي أتحدث عنه بعيد جدا عن أذهان كثير من إخوتنا في الفصائل المقاتلة، فكثير منهم تلوح في ذهنه الخيانة بصورة أميره يصافح قائد جيش العدو، أو بصورة انسحاب هادئ يخلو من الانفجارات والاشتباكات يتبعه تسليم سلس للمناطق إلى سلطان العدو. فالخيانة في أذهان بعض من إخوتنا فعل ملموس تلمسه الجوارح وتشهد عليه، وما دامت الجوارح تشهد خلاف ذلك من شدة بأس يبدونها في منازل القتال ويقابلها عظيم إجرام وتوحش من طرف عدونا فمفهوم الخيانة غائب ولا يقول به إلا المرجفون والمثبطون وعملاء العدو في صفوفنا كما يقولون!

لقد التصق كثير من إخواننا بجزء من الواقع حتى غرقوا فيه، وصرت أقارن بين هذا التفكير -كلما مررت على مبرراتهم- وتفكير أصحاب النظرية العلمية الذين صاروا يطبقونها على كل مفاصل الحياة، فحين لم يجدوا دليلا في طريقتهم على وجود الله سبحانه (طريقتهم تتطلب أن يروا الله ويلمسوه بأيديهم ويخضعوه للتجارب في المعمل!) أنكروا وجود قيوم السماوات والأرض وتجاهلوا الأدلة العقلية لأنها لا تنسجم مع طريقتهم في التفكير! وإن التشابه كبير بين الطريقتين مع أن أصحاب الطريقة الأولى مؤمنون وأصحاب الثانية ملحدون، فإخوتنا المؤمنون ذوو طريقة تفكير ميدانية، معطياتها هي يوميات المعارك فحسب معزولة عما يحيط بها بشكل مباشر ومن عوامل متصلة بها من قبيل لماذا هذه المعركة؟ وما هدفها؟ وماذا بعدها؟ وهل نحن أصحاب مبادرة أم ما نفعله هو رد فعل؟ وهل نحن من اخترنا ساحة المعركة أم فرضت علينا؟

هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى صار ينظر الكثير من إخواننا في الفصائل إلى ما يدور حولنا من أعمال سياسية وتصريحات ديبلوماسية ومؤتمرات ومبادرات وجهود إقليمية ودولية على أنها ديكورات مكملة للمشهد لا يبنى عليها فعل ولا داعي للتفكر في فحواها وربطها بسلوك الأطراف الفاعلة في سوريا، وإن ألقَوا لها أسماعهم أحيانا فليس ذلك على سبيل الجدية في التفكير، إذ إنهم يتعاطون مع التحليل السياسي كالتعاطي مع تفسير الأحلام قد يدفعهم شيء من الفضول للاستماع إليه إن وجدوا فيه ما يسرهم، لكنه لا يبنى عليه تصور ولا عمل وليس مؤثرا في الواقع الذي يلمسونه بأيديهم.

كثير مما سبق انتقاده ليس علما عسكريا مجردا ولست من أهل هذا العلم حتى أتكلم فيه، لكن كثيرا مما سبق هو استراتيجيات عامة مرتبطة بالتفاعلات السياسية المعروفة.. نحن لا نحمل القادة مسؤولية سقوط المناطق لخطط عسكرية فشلت أو لتحضيرات وتكتيكات لم تكتمل أو لم تنفذ، بل نحملهم إياها لاستراتيجيات انهزامية وضعوا أنفسهم فيها وأمسوا أسرى بقضبان السياسة الدولية. فإن كانت استطاعتنا فتح جبهة واحدة فقط فلماذا يكون اختيارها من عدونا وليس منا؟! ولماذا تكون في نقطة ضعفنا لا في نقطة ضعفه؟ ولماذا يكون توقيتها لحظة الهجوم على جبهاتنا ويحكم علينا بالدفاع حينئذ؟ والتفوق المادي لعدونا أمر معلوم منذ اليوم الأول للثورة، فلماذا نتعامل معه وكأنه من قضاء الله الذي فوجئنا به ولم نستطع له ردا؟! ثم إن الحكمة ليست أن نضيف إلى عدونا ميزة إضافية تزيده في فرص الانتصار بأن يكون هو من يفرض الإيقاع العسكري في الزمان والمكان الذي يخطط وفي لحظة جاهزيته القصوى!

هذه بدهيات صارت معروفة لبسطاء الناس، يشهد عليها من تعاطى مع الواقع بربط الأحداث مع طبائع الأشياء ومسلمات العقل، وصار الانحراف عنها خيانة ثلاثية الأبعاد. وغني عن القول أن هذه الأمور ما زالت مرفوضة إلى اليوم من الغارقين في جزء من الواقع، والذين يطلبون دليلا على الخيانة بمفهومها الذي يتخيلون ويتعاطون مع ما سواها من أحداث ونظرات كالتعاطي مع تفسير الأحلام لا أكثر.

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير- ولاية سورية
حسن نور الدين