press

9102019raya2

 

لم يعد خافيا على أحد المسارات التي مرت بها ثورة الشام خلال تسع سنوات ابتداء من سيطرتها على سبعين بالمئة من سوريا ثم التراجع بعد المؤامرات التي حيكت ضدها من الأعداء والأصدقاء الذين لم يكونوا في الحقيقة أصدقاء.

فما الدعم المالي إلا سمٌّ دُسّ في الدسم والذي كان يرمي إلى توحيد الفصائل تحت قيادات تسيطر عليها الأنظمة العميلة لأمريكا، وما إيقاع الاقتتال بين هذه الفصائل لأجل إضعافها وتصفيتها ومزيد من ارتباطها بالخارج للاستقواء به إلا ثمرة من ثمرات هذا المال المسموم القذر، كل هذا أدى إلى إشغال الثورة بنفسها وتوقف تقدمها وبداية استنزافها مما جعل للنظام فرصة التقاط أنفاسه وإدخال المليشيات والدول الداعمة له مما حقق له توازن القوة بعد ضعفه وهزيمته.

ثم بعد ذلك تم استخدام خدعة الحل السياسي لصرف فكر الثورة عن القتال إلى الهدن والمفاوضات، وكان دور ما يسمى بالأصدقاء قاتلا في هذا المجال فهو المخدر الذي دفع كثيرا من الثوار وقياداتهم المرتبطة للدخول في هدن ومفاوضات كانت السبيل الأقوى الذي ساعد النظام على استرجاع كثير من المناطق بسبب الوهن الذي أصاب القلوب والعقول من خلال الوقوع في حبائل الهدن والمفاوضات التي استطاع النظام بخدعتها استعادة المناطق المحررة من حمص إلى حلب ثم داريا ووادي بردى وشرق السكة وأرياف حمص والغوطة ودرعا واحدة بعد واحدة بعد كل مؤتمر؛ من جنيف إلى الرياض مرورا بأستانة وسوتشي، كانت كلها خدعاً توهن الثوار على أمل الحصول على الحقوق من خلال الحل السياسي والضامن التركي الذي انكشف دوره الزائف وموقفه المخادع الذي يخدم خارطة الطريق الأمريكية في الحل السياسي الذي يقضي على الثورة والحالة الجهادية التي نشأت في ربوع ثورة الشام.

إن آخر أخبار الثورة بعد حصرها في ما بقي من المحرر في إدلب وأريافها وأرياف حماة الشمالي وحلب الغربي وشمال حلب هو تجميد كافة الجبهات بضمانة تركية ليستخدم النظام كامل قوته في محور واحد يناسبه ليقضم ما بقي من المناطق المحررة شيئا فشيئا، وهذا ما هو حاصل منذ أربعة أشهر حيث استطاع النظام قضم عشرات المدن والقرى من ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي وصولا إلى خان شيخون.

إن هذه السياسة التي رسمتها أمريكا ونفذها النظام والضامنان الروسي والتركي تهدف إلى القضاء على الثورة كثورة والقضاء على الحالة الجهادية بشكل نهائي وفرض الحلول الاستسلامية على أهل الشام من خلال فرض دستور يكتبه المرتبطون فكريا وسياسيا بالمنظومة الدولية المجرمة وعلى رأسها أمريكا، ومن خلال فرض قيادة سياسية على أهل الشام عميلة ومرتبطة بأمريكا تنفذ مصالحها وتحارب أهل الشام في دينهم ومصالحهم.

إن مسلسل الأحداث الآن يواصل عملية التخدير والخداع والتضليل من خلال إطلاق تشكيل لجنة الدستور والسعي لعقد هدنة دائمة ريثما يتم تحضير عمل يستولي فيه النظام على معظم ما بقي من المحرر سلما أو حربا على طريقي الأوتستراد حلب دمشق وحلب اللاذقية.

ورغم هذا الواقع الفاضح والواضح فلا زال قادة الفصائل يسيرون في هذا المنحى من تجميد الجبهات والقيام بردات الفعل من خلال الاستجابة لما يفتحه النظام من محور يناسبه! وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على مسلسل المعارك الممسوكة والموجهة من الضامن التركي والروسي، وإن تماهي قادة الفصائل جميعا مع هذا المسار الاستنزافي للمجاهدين وللمناطق لهو خيانة وتآمر مفضوح قد فضحته الأحداث من سحبٍ للسلاح الثقيل من الجبهات وعدم إمداد الجبهات بما يكفي من المقاتلين والمؤازرات.

إن هذه الأحداث لتدل على المؤامرة التي يشترك فيها الضامنون مع قادة الفصائل البائعين للقضاء على المجاهدين وطعنهم بأسلوب خبيث هو استنزافهم في جبهة موجهة ومحور واحد ممسوك فيُقتل معظمهم وينحاز من بقي منهم وهكذا يسلم القادة المناطق بأسلوب خفي خبيث.

أمام هذا الواقع المكشوف ارتفعت أصوات المخلصين من سياسيين كشباب حزب التحرير محذرين وكاشفين هذه اللعبة القذرة ومطالبين بفتح كافة الجبهات وخصوصا جبهة الساحل، كما كان لوجهاء المنطقة دور في رفض هذه الألاعيب والتنديد بها وتحميل المسؤولية للضامن التركي وقادة الفصائل المرتبطين به وخصوصا قيادة هيئة تحرير الشام التي تمسك بأوسع المحاور وتسيطر على المنطقة عبر حكومة الإنقاذ، كما أن أصوات المراصد والإعلاميين المخلصين ارتفعت تندد وتفضح وتكشف هذه الأدوار الخبيثة التآمرية على المجهادين وعلى حاضنتهم الشعبية ومناطقهم المحررة، وأمام هذا الواقع المتردي كان لا بد للأمة من أن تعبر عن نبضها الحقيقي وأن تصدع بالحق في مواقفها وما يعتلج في صدور أبنائها من مجاهدين وسياسيين وإعلاميين ومراصد، فرفعت الصوت عاليا في وجه الضامن التركي والمنظومة الفصائلية كاشفة تآمرهم وخيانتهم ومطالِبةً المجاهدين بتغيير قيادتهم فكان الرد من قادة هيئة تحرير الشام وأمنياتها هو اعتقال الصادعين بالحق من شباب حزب التحرير ووجهاء المناطق والمراصد والإعلاميين الذين طالبوا بفتح كافة الجبهات وخصوصا جبهة الساحل.

وأمام هذا الإصرار على حالة الدفاع السلبي في المحور الموجه ومنع فتح الجبهات كان لقدامى المجاهدين المخلصين تحرك جاد وهو الإعلان عن غرفة العمليات المستقلة باسم جيش اليسرة، وهذا يدل على الحيوية الكامنة في الأمة التي تظهر عند الشدائد والمحن والضيق، وأن الأمة حيةٌ لا تموت، وأن نبض الحق والصدق يظهر في ساعة الشدة والمحنة.

إن الصورة الحقيقية الآن لما هي عليه الثورة هي أن هناك فريقاً من الناس أصابه اليأس والخذلان والوهم والوهن، ينتظر الحل السياسي والفرج العقيم من المجتمع الدولي الذي كان دوره تآمرياً طوال تسع سنوات، فالحل السياسي الذي بشر به كان حسما عسكريا لصالح النظام بطريقة الخداع والقوة، وهناك فريقٌ آخر ظل ثابتاً على موقفه من إسقاط النظام وإقامة حكم الإسلام ورفض الارتباط بالخارج، هذا الفريق الذي بدأ يتبلور للأمة وجوده ومواقفه أخذ زمام المبادرة وهو يطلب من الأمة أن تعطيه القيادة وأن تناصره وتقف معه ليستطيع أن يحقق لها ومعها ما تصبو إليه من نصرٍ هو بيد الله وحده يعطيه لمن يتوكل عليه ويسير وفق منهجه وسننه منتظرا أن يحدث الله بعد ذلك أمراً. والحمد لله رب العالمين.

بقلم: الأستاذ محمد سعيد العبود (أبو مصعب الشامي)

جريدة الراية: https://bit.ly/32bS5Ew