press

1312019raya1

 

يُعتبر الإعلام سلاحاً لا يُستهان به في جميع المحافل سواء المحلية منها والدولية ما إن استُثمر بشكل جيد وكان القائم عليه ليس مقتاتاً أو عبد منفعة أو مصلحة، ومنذ أن تحرك الوسط العربي بثوراته نتيجة ما يعيش من حالة احتقان والمشاهد يرى رسائل يقدمها الإعلام لا يمكن القول فيها إلا أنه يَحرم على طالبي التغيير إلا أن يجتثوه من جذوره ويرمونه على مزبلة الثورات، فقد أثبت أنه منفصل تماماً عن الواقع وفي كل أحواله طبل من طُبول البنية الحاكمة يَدق حسب ما يناسب هواها.

إن المتتبع لبعض ما يتم تداوله على منابر الإعلام ليجد كيف يتم الوصف لمريدي التغيير تحقيراً وتسفيهاً وتقزيماً للحالة الثورية التي يمرون فيها... هذا من باب، بالإضافة للغة التبرير والتنزيه للسلطة الحاكمة وأن سبب ما يحصل ليس إلا فساد الناس وجهلها وسطحيتها، ولا يختلف الأمر كثيراً على الساحة الشامية، فقبل الثورة كان إعلام السلطة مثلما ذكرنا بل ويزيد، فحالة التقديس التي ينتهجها لإبراز القائد الملهم هي أهم أعماله، قضى الله أن يتغير الحال فليس ما يعيشه أهل الشام بأفضل حالاً من باقي أهلهم إن لم نقل وزيادة، فقامت ثورة قلبت كل المعايير وحطمت كل القواعد والأسس وخطت طريقها نحو التغيير الشامل والكامل وعلى أبرز مؤسسة كانت قائمة ألا وهي الإعلام؛ وهنا بدأ الإعلام الثوري.

يُعتبر الإعلام الثوري عنصراً أساسياً من عناصر التحفيز للواقع المراد التغيير فيه، لذلك من بديهيات عمل الإعلام الثوري هو مواكبة الثورة وأفكارها والسعي بكل جهد لنقلها من حالة لحالة أرقى،انطلاقاً من القاعدة الأساسية في الإعلام أنه متحيز وليس مستقلاً، ويضاف أنه يُعتبر جهة استقطاب للفكر الثوري القائم وساعياً لأن يعمم الحالة الثورية لتشمل كل مفاصل المجتمع فهو محفز ودافع للواقع الثوري وليس العكس، يضاف له صفة الوعي والصدق وعدم اكتفائه بالتوصيف بل يساعد كما ذكرنا ببناء الفكر الثوري والانتقال بالحشود من مرحلة لأخرى.

بناء على ما ذُكر عن واقع الإعلام الثوري فإنه يمكن القول إن كل من يُخالف هذه الأبجديات فهو بعيد كل البعد عن هذا التوصيف والحال.

وبما أن الحديث عن الثورة الشامية المباركة كان لا بد من تسليط الضوء على واقع الإعلام حتى يمكننا القول بأنه يعيش حالة الثورية أم أنه فقط لبس من التعريف الاسم فقط!

مرت الثورة السورية بسنواتها التسع الماضية بتجارب عدة وإرهاصات مختلفة تعاقبت عليها الأجواء باردة وحارة عايشت شتى الظروف والمحن، كانت تسير بخطا ثابتة نحو الهدف المنشود لا يضرها من وقف بوجهها أو من عاندها أو من تعامل معها بنفعية، ولم يكن ليظهر هؤلاء في تلك الفترة نتيجة قوة الثورة وثباتها، مارس الإعلام دوره بشكل طبيعي ولكن ليس لنصرة الثورة ولنشر الأفكار الثورية ولا حتى لتعميم الحالة الثورية بل مارس ما شُكل لأجله تنفيذ أجندات وتحقيق منفعة، كان إعلام الثورة فوضوياً بحق فهو لم يتخذ موقفاً واضحاً وثوريا من الممثلين النفعيين للثورة وكذلك لم يحذر من خطورة الارتباطات الخارجية ولم يعمل بدوره كثوري في إبراز أفكار الثورة الحقيقية بل كان يسعى لتغطية الفكر الحقيقي للثورة وإظهار الفكر المغلوط غير المقبول بل ويزيد عليه الترويج له ليكون رأياً عاما؛ فتخطى هنا حالة النزاهة والشفافية والأمانة للإعلام الثوري.

كما ولم يتفاعل الإعلام الثوري مع قضايا الأهل في الشام بضرورة حاجتهم للمشروع ولم يغط أصحاب المشروع الحق بل كان له عدواً ومشوشاً على ما يملك، تعامل الإعلام الثوري مع الحلول الخارجية المطروحة معاملة الترويج بدل من التنبيه والتحذير لها فكثُرت الأعمال التي تغطي نشاطات مندوبي الأمم المتحدة والمقترحات والحلول التي يقدمونها وكل ذلك يندرج تحت مسمى الترويج وليس التحذير.

وأما الحالات الإنسانية التي كانت تحدث على أرض الشام فكانت محط كسب ومنفعة مادية ممن سمى نفسه الإعلام الثوري، والإعلام الثوري منه براء، فكانت التقارير تُعد وتُسلط الضوء على ما يمر فيه الناس لغايتين إحداهما تحقيق ربح مادي والثانية هي أن تكون عبرة لمن أراد في المستقبل أن يُفكر بالتغيير أو يحلم به.

يُمكن القول إن حالة ضياع البوصلة والتوهان التي مر بها كثير ممن لبس الثورة لباس تغيير من مدني لعسكري لسياسي لم يكن الإعلام في مأمن منه، فجل ما يقوم به لا يشبه الثورية بشيء وجل ما يُقال عنه فوضوية تهدف لخدمة داعم وتحقيق منافع فقط.

لقد عايش أهل الشام كل ما ذَكرنا وأسقطوهم جميعاً وليس الإعلام بمأمن عن هذا الإسقاط، فحين يتعامل الناس مع الإعلامي بأنه يأتي ليصور ومن ثَم يقبض جراء عمله أموالاً طائلة، وعزوف الكثير من الناس عن التجاوب مع الإعلاميين بسبب الكسب الذي سيحققونه على حسابهم لهو دليل واضح جلي أن الناس أسقطوهم كما أسقطوا غيرهم.

لا تزال حالة الفوضوية قائمة في الجانب الإعلامي للثورة، وعلى الإعلاميين العاملين في هذا المجال أن يُدركوا ذلك تماماً وأن يوسعوا ثقافتهم حول الدور الذي يقوم به الإعلام الثوري وأن يسعوا جاهدين لأن يضعوا جل إمكانياتهم من أجل تحقيق أفكار هذا الإعلام، وأن يخرجوا من حالة الفوضوية وإلا فحالهم في تاريخ الثورة لن يَفرُق كثيراً عن حال أقرانهم، من سياسيين وقادة وعسكريين، أنهم وبال وابتلاء حل على هذه الثورة ونهايتهم إلى زوال.

وفي النهاية نقول إن الإعلام جزء أساسي من المبدأ وكما يكون المبدأ تكون مؤسساته، والثورة قامت لإرضاء الله والسعي لتحقيق طاعته وهذا كان مبدأها، ولذلك وجب أن تكون المؤسسة الإعلامية فيها قائمة على أساس تبني المصالح، ورفع الصوت بكل تقوى وأمانة؛ فالمنفعة لن تُفيد في واقع يسعى جاهداً لأن يكون في دائرة الله.

فلا تضيعوا تضحيات المسلمين بأعمال فوضوية، لا تخدم حرثاً ناهيك عن خدمة بشر، وعودوا لثورتكم فأبواب العودة مشرعة، ما لم تصل لمحطتها الأخيرة؛ وحينها لا ينفع العاصين توبتهم فلقد بلغ السيل الزبى.

بقلم: الأستاذ عبدو الدلي (أبو المنذر)

 

جريدة الراية: https://bit.ly/32IMvcc