press

wamadat130317

ومضات: كلمة حزب : إشكالية المصطلح أم إشكالية الفهم؟ (الجزء الأول)

قال الله سبحانه وتعالى ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53] وقال (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32))
يستدل كثير من المسلمين بهذه الآية خطأ على تحريم اطلاق لفظة حزب ويعتبرون أية حركة تسمي نفسها حزبا هي حركة خاطئة مذنبة لأنها سمت نفسها حزبا.
علما أن الآية لاتدل لا من قريب ولابعيد على ما فهموه ولا علاقة لهذه الآية بتحريم اطلاق لفظة حزب على الجماعة.
ووجه ذلك أن كلمة حزب وردت في كتاب الله على ثلاثة أوجه:
وجه محمود ووجه مذموم ووجه مشترك بين المدح والذم
أما الوجه المحمود كقوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) [المائدة: 56] وكقوله تعالى ( أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22].
وأما المذموم كقوله ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر: 6] وكقوله (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).
وأما المشترك بين المدح والذم كقوله في قصة أصحاب الكهف (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) حيث جاء في تفسير القرطبي والثعالبي والبحر المحيط: الظاهر من الآية أن الحزب الواحد الفتية والحزب الثاني أهل المدينة الذين بعث الفتية في عهدهم ؛وكقوله تعالى (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) [مريم: 37]وقوله تعالى ( وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) فقد جاء في تفسير ابن كثير: اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى طائفة انه ولد زانية وطائفة ثالث ثلاثة وطائفة ابن الله وطائفة أن المتكلم هو الله وآخرون هو عبد الله ورسوله وبنحو هذا التقسيم قال الطبري في كتابه؛ والشاهد أن لفظة الحزب في الآيات الثلاثة السابقة شملت المؤمن والكافر.
هذا ما جاء في القران وعليه فلا يصح الاستدلال بآية (كل حزب بما لديهم فرحون) على تحريم لفظة حزب لورودها كما قلنا تارة في سياق المدح وتارة في سياق الذم وتارة في سياق المشترك بين المدح والذم وذلك حسبما تضاف إليه.
أما فهم هذه الآية نفسها فلا دلالة من قريب ولا بعيد على ما زعموه ذلك أن أحدا من العلماء أو المفسرين السابقين لم يقل إنه لا يجوز اطلاق لفظة حزب على فئة ما من المسلمين بل العكس هو الصحيح حيث أن أكثر العلماء من السلف والخلف يجيزون اطلاق لفظة حزب على جماعة ما من المسلمين وهو ما سنبينه لاحقا ان شاء الله تعالى.

هذا من ناحية ومن ناحية ثانية فإنه لو قلنا ان آية (كل حزب بما لديهم فرحون ) تدل على تحريم اطلاق لفظة حزب على جماعة ما من المسلمين كان لزاما علينا بهذه العقلية وبذات طريقة التفكير أن نستنبط تحريم اطلاق لفظة الفرح على المسلم لأن السياق واحد وهناك آية تؤيد هذا الفهم هي قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) وهذا ما لا يقوله عاقل أبدا لأن المحرم هو الفرح المخالف للشرع وليس مطلق الفرح وكذلك لفظة حزب المحرم فيها هو التحزب على أساس يخالف شرع الله وليس مطلق التحزب.
على أن من العلماء من اعتبر آية كل حزب بما لديهم فرحون تشمل المؤمنين والكفار فقد جاء في تفسير البحر المديد لابن عجيبة قوله في تفسير هذه الآية بالذات: أما أهل الحق فهم فرحون لسلوكهم على المنهاج المستقيم المفضي الى رضوان الله ورحمته وأما أهل الباطل فزين لهم الشيطان أعمالهم؛ كما جاء في تفسير السعدي ( كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ ) [ ص 554 ] أي: بما عندهم من العلم والدين ( فَرِحُونَ ) يزعمون أنهم المحقون، وغيرهم على غير الحق، مع أن المحق منهم، من كان على طريق الرسل، من أكل الطيبات، والعمل الصالح، وما عداهم فإنهم مبطلون.
وبناءا على ما تقدم فلا يصح بأي وجه من الوجوه ما زعموه أنه لايجوز اطلاق لفظة حزب على جماعة من المسلمين بل الرأي الصواب والصحيح هو عكس ما قالوه أي يجوز اطلاق لفظة حزب على جماعة ما من المسلمين.

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا
معاوية عبدالوهاب

لقراءة الجزء الثاني: https://goo.gl/Dgrf8G
لقراءة الجزء الثالث: https://goo.gl/8vpoYY