press

wamadat271217

ومضات: الإسلام دين الحياة وتحكيمه قضيتنا المصيرية

 

يقول الله تعالى: (وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).

ليست عبادة الله هي إقامة الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من العبادات الفردية فحسب، إنما عبادته تعالى هي أن نلتزم بكُلِّ ما أمرنا به وننتهي عن كُلِّ ما نهانا عنه. وقد جسد المسلمون الأوائل هذا الفهم في حياتهم، وحملوه رسالة هدى ونور إلى غيرهم، فكانت قضيتهم المصيرية تطبيق الإسلام الذي نظم جميع مناحي الحياة، وحمله الى غيرهم من الشعوب. وهذا ما تلخصه قصة أحد جنود جيش المسلمين ألا وهو "ربعي بن عامر" عندما طلب رستم قائد جيش الفرس من سعد بن أبي وقاص، الذي كان وقتها قائد جيش المسلمين أن يبعث له رسولا ليفاوضه قبل معركة القادسية، فبعث له ربعي بن عامر، وعند وصوله إلى قائد جيش الفرس قال له ما الذي جاء بكم؟ قال له ربعي: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الاسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.

قد يتساءل أحدنا أيعقل أن يعبد العباد بعضهم، نذكّر بحادثة الصحابي عدي بن حاتم، وكان على دين النصارى، عندما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو قوله تعالى: (اتَّخَذوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) فاستغرب عدي من هذه الآية وقال يا رسول الله ما عبدناهم! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلى ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم) قال: نعم فقال: (فتلك عبادتكم لهم)، أي عندما يكون التشريع للبشر فتلك عبادة العباد، أما عبادة رب العباد فهي أن يكون التشريع لله وحده بإقامة حكمه في الأرض دون التنازل عن أي حكم في أي مجال من مجالات الحياة. قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)؛ فهنا قرن الله عز وجل الحكم بالعبادة.

هكذا كان سلفنا، رضوان الله عليهم، أحد جنود جيش المسلمين، ببضع كلمات وضح غاية الله من خلقِنا، أما حالنا اليوم مع بعض من يتلبس لبوس العلم الشرعي ويعتلي المنابر، ويتصدر المجالس للتحدث بأمور الشرع، فإنه رغم كل ما يحصل في بلاد المسلمين من مآسٍ ومجازر يغفل عن قضية الإسلام المصيرية، وهي العمل من أجل إقامة حكم الله في الأرض في ظل دولة الخلافة الراشدة التي حددها الشرع. ونراهم بدل ذلك يقصرون أحاديثهم ودعوتهم على بعض العبادات والأحكام الفرعية... متغافلين عن حكم الطواغيت وجرائمهم، وكأن الإسلام حسب فهمهم السقيم، والذي هو نظام الحياة الذي ارتضاه رب العباد جل وعلا، مجرد طقوس وأحكام فردية ولا علاقة له بتنظيم شؤون الحياة جميعها.

أيها المسلمون علينا أن ندرك القضية التي من أجلها خلقنا الله عز وجل، والتي يجب علينا أن نأخذها بحق كاملة لا منقوصة، وأن نجعلها قضيتنا المصيرية نموت ونحيا من أجلها؛ فالله تعالى خلقنا لعبادته ووضع لنا نظاما كي نسير عليه ونلتزم به ونحكّمه في واقع حياتنا، لننال عز الدنيا والآخرة؛ لا أن نتبع أهواءنا أو نتبع سادتنا وكبراءنا، فنكون عندها عبيدا لأهوائنا وعبيدا لغيرنا ونكون من الذين خسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. قال تعالى:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ).

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا
وليد غيبة