press

1wamada170518

 

ومضات قرآنية: الإنسان مستخلف في الأرض لإعمارها

 

قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:30].

الشرح:

حوار جميل يدور بين رب العزة ومخلوقاته من الملائكة المكرمين حيث يخبرهم الله سبحانه وتعالى أنه سيخلق بشراً يكون خليفة في الأرض أي مستخلفاً فيها حسب أوامر الله ونواهيه ويكون مختاراً صاحب إرادة حرة في أن يفعل ما يشاء، وليس المقصود هو شخص آدم عليه السلام بل المقصود جنس البشر، ولعل الله أخبر ملائكته أنه سيخلق في الإنسان شهوات ودوافع ويجعله مختاراً يختار طريق الخير أو الشر ولن يكون مخلوقاً مسيراً على الطاعة كما هو حال الملائكة الكرام، لذلك اعترضت الملائكة اعتراض تعجب من صنيع الله عز وجل فقالوا ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) أي يا رب ما الحكمة من خلق هذا المخلوق والذي ستقوم ذريته بمعصيتك فيفسدون في الأرض ويستحلون الدم الحرام بقتل بعضهم البعض، وهذا لا يليق بعظمتك وجلالك مع وجود أمثال الملائكة التي تعرف حق الله فهي دائمة التسبيح والتقديس له ولا يمكن أن تعصيه أو تخالف له أمراً.
فرد الله سبحانه وتعالى ( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) فكان رد الله أن في علمه الأزلي والمستقبلي لن يكون الإنسان على وتيرة واحدة ولن يكون فيه الشر المطلق بل هناك من البشر من سيصطفيهم الله وهم سائرون على منهجه مؤمنون بربوبيته وألوهيته ويعرفون حق الله كما الملائكة وهؤلاء البشر السائرون على منهج الله وشريعته سيكون لهم السيادة على الأرض وسيعملون على محاربة المفسدين والمجرمين، وكان لله في ذلك الحكمة البالغة.
ولعل أبرز ما خلق الله في البشر هو العقل المميز بين الخير والشر وبالعقل جعله مختاراً فيختار بكل حرية المنهج الذي سيسير عليه في الحياة الدنيا، ولعل هذا المعنى المراد من اختبار الملائكة في الآيات التالية عندما قال رب العزة: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [البقرة: 31].
فهذا الإنسان متميز عن الملائكة بأن فيه قابلية التعلم والبحث عن الحق إن أراد أن يسير حسب مراد الله من خلقه واستخلافه في الأرض، وعليه أن يصغي لمن سيرسلهم الله من الأنبياء والرسل والمناط بهم تبليغ دين الله وشرعه ومراده.
إذن لن يكون البشر كلهم فاسدون مفسدون بل سيكون فيهم الأنبياء، ويكون فيهم الرسل، والأخيار، والعلماء الصالحون، والعباد المخلصون، والملايين من الأتباع على مر العصور وهؤلاء الذين سيرضى الله عنهم فهم سيخلصون العبادة لله وحده، ويحكمون شريعته في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويعملون على إعمار الأرض بما يُرضي الله، ويلتزمون ما أمر الله به وينتهون عما نهى عنه حتى يعم دين الله الإسلام مشارق الأرض ومغاربها ويسود منهج الله وتتلاشى المناهج الباطلة من الوجود. فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) . رواه مسلم

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية سوريا
أحمد الصوراني

للاستماع للتسجيل :