press

art280318

لا يخفى على أحد الحال التي وصلت اليها ثورة الشام من تراجع وانحسار على صعيد المناطق الجغرافية التي كانت تسيطر عليها، وأهم من ذلك على صعيد الإيمان بفكرة الثورة عند معظم الناس، وانحراف معظم الفصائل عن ثوابت الثورة وأهدفها. ولعل أهم أسباب ذلك حجم التآمر الذي انصب على ثورة الشام من قبل ما يسمى بأعداء الثورة وأصدقائها على حد سواء ولا يميزهم إلا اختلاف الأدوار الموكلة اليهم، وتعدد أساليب المكر وتنوعها.

وما كان لكل ذلك هذا التآمر والكيد والبطش أن يثمر على أرض الشام لولا أن بعضهم تعلق بحبائل هذه الدول المتآمرة الحاقدة، ورضي أن يكون مطية لتحقيق مخططاتها، وباع نفسه وتضحيات أهله ودماء رفاقه بعرض من الدنيا قليل.فكان فريسة سهلة تتخبط في شِراك تلك الدول المتآمرة الحاقدة، ولما كان هؤلاء هم من استلموا قيادة مركب الثورة، وقافلة الثائرين، كان طبيعيا أن تنحرف بوصلة المركب لتتقاذفها الأمواج العاتية، وأن تدور القافلة في صحراء التيه، كما تاه بنو إسرائيل عندما رفضوا أمر الله وأمر رسوله موسى عليه السلام بدخول فلسطين بحجة أن فيها قوما جبارين.

إن للنصر سننا وشروطا لا بد للمسلمين أن يحققوها كي ينالوا شرف النصر والتمكين الذي وعد الله به عباده المؤمنين المخلصين. وهذه الشروط ليست شعارات نرفعها، ولا أسماء بدون مضمون نطلقها على أنفسنا وعلى فصائلنا، ولا ادعاءات ندعيها، ولا هي حرف بنادقنا الى صدور إخواننا واستباحة الدم الحرام، والتخاذل عن نصرة بعضنا بعضا مع استمرار المحافظة على الخطوط الحمراء التي تحمي نظام الإجرام. بل هي إيمان بالله، ونصرة لدينه، واعتصام بحبله وحده، وسيرٌ على هدي نبيه ونهجه الذي ارتضاه لنا نتمسك بثوابته ونهتدي بمعالمه ونمضي فيه على بصير واثقين من صحة الطريق وموقنين بوعد الله لنا إحدى الحسنيين. قال تعالى: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم).

ونصر الله يكون بنصرة مشروع الإسلام العظيم وليس بنصرة مشروع الدولة العلمانية المدنية، يكون بالعمل لتحكيم شرع الله ولو كان دون ذلك خرط القتاد والتضحية بالنفس والمال والولد، وليس بالهرولة الى مؤتمرات الذل الخنوع والخيانة لله ولرسوله، والسير لخدمة الحل الأمريكي الذي يهدف لإعادة انتاج نظام الإجرام، وفرض نظام علماني كافر عبر ما يسمى صياغة دستور جديد لسوريا.إنَّ نصر الله كما أخبرنا في محكم تنزيله لن يكون إلا للمؤمنين حقا، الذين يفوزون في اختبار التمحيص وابتلاء التصفية، لا يتزلزل أيمانهم بالله ولا تهتز ثقتهم بوعده، ولا تسقطهم المحن في براثن اليأس من نصر الله، ولا القنوط من وعده بل يبقى إيمانهم راسخا ويقنهم ثابتا وثقتهم عظيمة، يسيرون نحو تحقق أمر الله، ونفوسهم مطمئنة مهما تعاظمت الفتن واشتدت الصعاب وعربد الظلم، فإن أكرمهم الله بنصره فقد أثبتوا أنهم أهل لذلك، وإن أكرمهم بالشهادة قبل أن يروا موعود الله للمؤمنين فقد ماتوا على ما يُرضي الله وفازوا بما ادخره لهم من حسن الثواب. هذه هي سنة الله أخبرنا عنها في محكم تنزيله بقوله جل وعلا: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). 

أما أولئك المدّعون الذين رفعوا الإسلام شعار واتخذ غيره منهجا فلن يخدعوا الله ولن ينالوا شرف نصره.من الطبيعي أن لا يتنزل نصر الله على من ترك الاعتصام بحبل الله وولى وجهه شطر الشرق والغرب يستجديهم دعمهم ويخضع لأوامرهم ويرضى بشروطهم ولو كانت على حساب أمر الله. 

من الطبيعي أن لا يتنزل نصر الله على من يسعى لإرضاء الغرب الكافر ويجعل ثورته لا تعمل إلا وفق أوامرهم وتوجيهاتهم وتحت سقف ما يسمحون به من مطالب. مُعِرضا عما طلبه الله منه وأمره به. من الطبيعي أن لا ينصر الله من جعل المصلحة إله من دون الله يدور معها حيث دارت وقد رأينا الى أي درك وصلنا ونحن نلهث نحو المصلحة بعقولنا بعيدا عن شرعنا.كل هذه الأصناف وغيرها سقطت في اختبار التمحيص فكان من البديهي ألا يكرمها الله بالنصر، بل كان مصيرها أن سقطت في ذلك الاختبار ففضحها الله من خلال ثورة الشام الكاشفة الفاضحة.لقد رفض بعض قوم موسى عليه السلام أمر الله فعاقبهم بالتيه أربعين سنة، وعصى بعض الرماة يوم أحد رسول الله فكانت خسارة المعركة في أحد، واغتر بعضٌ من جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرتهم في حنين فعاقبهم بالهزيمة أول المعركة وتنزل في آخرها على رسول الله والصادقين من أصحابه. فكيف نطمع بالنصر وهذه حالنا التي لا تخفى على أحد.ولكن هل انتهت المعركة وماتت الثورة وانتصر الطغاة والمجرمون وما علينا إلا قبول الهزيمة والسقوط في مستنقع اليأس والقنوط.لقد خسر المسلمون معركة أحد ولكن الإسلام والمسلمين لم يفقدوا عزتهم ولم يتخلوا عن دينهم فها هو رسول الله يأمر من معه من الصحابة أن يردوا على مقولة أبي سفيان عندما قال "أعل هبل" بأن يجيبوه بكل عزة وتحد (الله أعلى وأجل) وها هو أنس بن النضر أحد أنصار رسول الله عندما رأى من تملَّكه اليأس وألقى السلاح بعد أن بلغه إشاعة مقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد يخاطبهم بقول: (ما تصنعون في الحياة بعده، قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله) إنه أدرك المعنى الحقيقي لحياة المؤمنين، إنها من أجل نصرة دين الله واتخاذ ذلك قضية مصيرية من أجلها نحيا ومن أجلها نموت. إن طريقا خلاصنا ونصرنا وعودتنا من زمن التيه واضحة جلية قد بينها لنا ربنا عز وجل وقد أشرنا اليها سابقا، ولا نجاة لنا إلا بحسبها، ولكننا يجب أن نمر بمرحلة التمحيص والابتلاء والامتحان ليختبر الله صدق إيماننا ونصرتنا لدينه والتوكل عليه وحده (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).

إننا في وقت المفاصلة بين الحق والباطل، وزمن التمايز بين فسطاط الإيمان وفسطاط النفاق، زمن الاختبار والابتلاء، والواجب علينا أن نختار لأنفسنا ما يرضاه الله لنا و ينقذنا ونحن نقف بين يدي ربنا، ويحقق نجاتنا في الدنيا والآخرة، وذلك بأن نكون أنصارا لله، ومناصرين لمن يحمل مشروع الإسلام الذي يرضيه جل وعلا، منحازين الى فسطاط المؤمنين، نتخذ نصرة الإسلام قضية مصيرية نتخذ تجاهها إجراء الحياة أو الموت، أما نتيجة ذلك فهي بيد الله وحده، ولن يخلف الله وعده.إننا نموت ونقتل ونشرد في الأفاق وتتكالب علينا أمم الكفر، وكل ذلك من أجل القضاء على ديننا، فليكن ذلك في سبيل الله و نصرة لدينه، فعندها لن يخلفنا الله وعده وسيكرمنا بنصره وسينال القتلة والمجرمون والمتآمرون جزاءهم القريب العادل بإذن الله.

(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا).


للمكتب الإعلامي لحزب التحرير – ولاية سوريا
حنين الغريب