press

1922019maaz

 

إن السياسة هي رعاية الشؤون، وهذه الرعاية تكون دائمًا وفق وجهة نظر معينة. وعلى من يريد أن يتصدى لهذا الشأن العظيم أن يقوم أولًا بتحديد وجهة النظر التي سيرعى بها شؤون الناس. وبسبب غياب الإسلام عن الحكم والرعاية لعقود طويلة لم يعد السياسيون المسلمون العاملون في هذا الحقل يدركون حقيقة وجوهر العمل السياسي في الإسلام، بل جُلُّ من يقوم بذلك يتبنون العمل السياسي وفق مفاهيم الغرب ووفق مقاييسه وتصوراته عن الحياة. فالغرب يحكم العالم حاليًا بمبدئه الرأسمالي ونظامه الديمقراطي، وهذا النظام له طريقة خاصة في ممارسة السياسة وفهم خاص للشأن السياسي.

ولتبسيط الأمر، والاستفادة منه لأكبر قدر من الناس سنجري مقارنة بسيطة بين الفهم السياسي الإسلامي والفهم السياسي الرأسمالي. فأهل الشام الذين قاموا بثورة عارمة لإسقاط نظام الإجرام النصيري العلماني وتغييره وإقامة نظام عادل يحكم بما أنزل الله؛ رأى الجميع النظرةَ الإسلامية الداعمة من قبل جميع المسلمين لهذه الثورة جماعات وأفرادًا كونهم يعلمون أن هذا النظام ليس من صميم عقيدتهم الإسلامية ومحاربٌ فعلي للإسلام. وغاب عن أذهان الغالبية العظمى من المسلمين كيفية تحقيق ذلك، وما الطريقة الناجعة لانتصار الثورة وإسقاط النظام وإقامة حكم الإسلام. وفي الجانب الآخر رأى الجميع النظرة الرأسمالية الديمقراطية المعادية لهذه الثورة دولًا ومنظمات، وكيف استعملت الدول كل الأساليب القذرة لإجهاض هذه الثورة ومنعها من الوصول لهدفها في إسقاط النظام العلماني في سوريا والذي هو من جنس النظام الدولي. وهنا علينا أن نفهم السبب الذي دفع المسلمين لتأييد الثورة ودفع جميع الدول القائمة في العالم لمعاداتها؟ لقد كانت ثورةُ الشام بادئ الأمر ثورةً على ظلم استفحل ولم يعد بالإمكان السكوت عنه، ومع طول أمد الثورة واستمرارها وتبلور أفكارها وأهدافها، ومن أهمها أن علينا إسقاط هذا النظام واستبدال نظام الإسلام به، أدركت المنظومة الدولية أن هذه الثورة خطر على مبدأها ومنظومتها الفكرية والسياسية بالكامل وفي كل العالم، وذلك لإدراكها الفعلي لحقيقة مبدأ الإسلام. ولا علاقة للجماعات المسلحة التي تشكلت وخرجت من رحم الثورة بهذا العداء، بل إن بعض هذه الجماعات كان لهذه الدول اليد الطولى في إنشائها ودعمها ولاحقًا وصمها بالإرهاب ومحاربتها، لأن فكرة أن يحكم الإسلام تعتبر خطًا أحمر عند أصحاب القرار الغربي لا يمكن تجاوزه، وهم الذين يعلمون جيدًا كم كلفهم هدم دولة الإسلام (الخلافة العثمانية) من جهود عشرات ومئات السنوات، ودماء عظيمة وأموال كثيرة.

إن الغرب الكافر يعرف جيدًا أن الثورة التي خرج بها المسلمون في الشام وغيرها في بداية هذا العقد هي لتغيير المنظومة القائمة في العالم وإحلال نظام الإسلام محلها، ولذلك رأينا هذا التآمر من جميع الدول القريبة والبعيدة، وحتى من ظن الناس بها خيرًا كتركيا بدأ مسؤولوها مؤخرًا يصرحون تصريحات توحي بأن علاقتهم مع نظام أسد لن تمكث وقتًا كبيرًا حتى تخرج للعلن، وأن المهمة التي أناطها المجتمع الدولي المحارب للثورة السورية بتركيا قد اقتربت من نهايتها، وأن النظام التركي قد نجح نجاحًا باهرًا في تضليل المسلمين وإجهاض تحركهم لقلع النظام العلماني الطاغوتي في سوريا.

إن النظرة السياسية الإسلامية تأمرنا كمسلمين بالخروج على كافة الأنظمة التي صنعها الاستعمار في كافة بلاد المسلمين وإسقاطها وتحطيمها وتكسير أضلاعها، وقطع يد الغرب عن التحكم بذرّة من قرار المسلمين وبلادهم لأنهم أعداء محاربون، هم من نصّبوا المجرمين حكامًا، وهم من حاربوا الله ودينه وعقيدته ونظامه في الأرض. لذلك كانت الزاوية التي يجب أن ينظر منها المسلمون في الشام وغيرها هي أن إقامة دين الله بإقامة دولة الخلافة الراشدة هي فرض وفرض عظيم بل تاج الفروض؛ وأن على المسلمين أن يخلعوا ثوب الذل الذي ألبسهم إياه أعداؤهم، فالحرب كانت وما زالت على الإسلام والمسلمين وهذه الحرب لا حلول وسطًا فيها! ولئن قبِل المسلمون بالحل الوسط فإن أعداء الإسلام لا يقبلون: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ). وأن علينا أن نخوض هذه الحرب على كافة المستويات، الفكرية والسياسية والعسكرية، مستعينين فقط بالله ومعتمدين على أنفسنا حتى يرضى عنا الله فينزل علينا نصره وتمكينه.

لكن الإشكالية التي ما زالت تمنع المسلمين من خوض هذا المعترك في الحقيقة نابعةٌ من عدم فهم الإسلام فهمًا دقيقًا يدفعهم لذلك، ومن أساسات هذا هذا الفهم أن نظام الحكم في الإسلام ليس له شبيه بكل الأنظمة الحالية، وهذا يتطلب من حملة الدعوة لإقامة الدولة الإسلامية أن يبذلوا مزيدًا من الوسع لشرح حقيقة وطبيعة نظام الحكم في الإسلام للمسلمين، وتبيان الفرق بين عقيدة ونظام المبدأ الرأسمالي المطبق على المسلمين في كل بلادهم، وعقيدة ونظام الإسلام الذي يجب عليهم تطبيقه لنيل السعادة في الدارين (وسنفرد لذلك مقالات أخرى تبين الفرق بين كلا النظامين وطريقة تطبيقهم في الحياة بإذن الله)، كما أن عليهم -أي حملة الدعوة- شرح وتبيان حقيقة النظرة السياسية الإسلامية والزاوية التي يجب أن ينظروا منها إلى العالم وهي حمل الإسلام وتبليغه إلى الناس كافة، ولا يكون ذلك إلا في ظل دولة إسلامية، خلافة راشدة على منهاج النبوة، وعد الله سبحانه وتعالى وبشرى رسوله ﷺ: (ثُمَّ تَكُوُنُ خِلَافَةٌ عَلَىْ مِنْهَاجِ النُبُوَة).

 

للمكتب الإعلامي لحزب التحرير ولاية سوريا
أحمد معاز