press

2592019raya4

 

إنّ واقع الثورة - أي ثورة - يعني إحداث تغيير سياسي شامل في الدولة، فمعنى الثورة مُنحصر في التغيير الشمولي، والعناصر الأساسية التي يشملها التغيير هي: الفكر والنظام والأجهزة والأشخاص، فإن اقتصر التغيير على الأشخاص فقط يكون انقلاباً ولا يرقى إلى مُستوى الثورة بحال.

وتغيير العناصر الأربعة هو ما حصل بالفعل في جميع الثورات المشهورة في التاريخ، كالثورة الفرنسية التي قضت على الملكية بعناصرها الأربعة، الفكر والنظام والأجهزة والأشخاص وعلى رأسهم آخر ملوكها لويس السادس عشر الذي أعدم بالمقصلة في 21/1/1793 في ساحة الثورةبالعاصمة الفرنسية باريس، وكالثورة البلشفية التي قضت على نظام القيصر الإقطاعي في روسيا وأتت بنظامٍ شيوعي جديد، بفكره وأجهزته ورجاله، وكالثورة الأمريكية التي أنهت حكم الاستعمار البريطاني بكل أفكاره ورموزه وأشكاله وشخوصه ومُتعلقاته وارتباطاته، وأقامت دولة جديدةً قويةً تمدّدت ما بين المحيطين الأطلسي والهادي.

ومن هنا كانت الدول القائمة من ألدّ أعداء الثورات، لأنّها إنْ قبلت بوجود الثورات فهذا يعني قبولها بفكرة التغيير بشكلٍ تلقائي، وقبولها به يعني إقرارها بفرضية التغيير السياسي بداخلها، وهو ما لا يمكن تقبّله.

لذلك وقفت الأنظمة في هذه الدول - وعلى اختلاف مشاربها وتبعياتها - وقفاتٍ صارمة في مُعاداة الثورات، ومُواجهتها بكل الأساليب المُباشرة وغير المُباشرة، وكانت السبب المُباشر في حرف الثورات عن مساراتها، وإجهاضها، والالتفاف على أهدافها.

وثورة الشام أوضح مثال على هذه الحقيقة، فقد وجدنا كيف أنّ جميع دول العالم قد ناصبتها العداء، الكبيرة منها والصغيرة، التابعة منها والمتبوعة، القوية منها والضعيفة، فكل الدول رمتها عن قوسٍ واحدة، وعلى رأس هذه الدول أمريكا التي أمسكت بكل خيوط اللعبة فخطّطت ووضعت برنامجا كاملا مُنظما لإحباطها، وأعطت لكل دولة دوراً تلعبه في برنامجها هذا، واستخدمت بشكل مباشر بعض المليشيات العميلة والغبية لتحقيق أهدافها، ثمّ عرضت على الثوار بعض الحلول الترقيعية، والدساتير المستنسخة من بقايا الدساتير الوضعية بهدف الإلهاء والتشتيت، وحافظت بذلك على نظام الطاغية بشار بكل الوسائل والإمكانيات، فمنعت السلاح عن الثوار، وسلّطت على الثورة الدول العميلة.

ومن هذه الدول مَنْ جيّش الجيوش علناً لمحاربة الثورة كروسيا وإيران، ومنها من اشترى قيادات فصائلها بالنفوذ والمال السياسي القذر كالسعودية وقطر والأردن، ومنها من حاربها بوسائل الإعلام المأجورة كمصر والجزائر والمغرب، واعتبرها سبباً رئيسياً للفتن ونشر الفوضى وسفك الدماء، ومنها من ظاهرها ببعض الشعارات الكلامية البرّاقة ضد النظام ليستميل قياداتها ومن ثمّ قام بطعنها من الخلف طعنات قاتلة كتركيا.

إنّ أكبر خطأ بل خطيئة وقعت فيها الثورة أو قيادات فيها هي ركونهم لهذه الدول وتعاونهم معها، لقد كان هذا التعاون مقتلاً حقيقياً لها، فأين هو "جيش الإسلام" الذي كان يمتلك عشرات الآلاف من الجنود المدربين، وأين هي دباباته ومركباته وأسلحته وذخائره؟ لقد أصبح أثراً بعد عين، والسبب هو ركونه إلى السعودية، فاحتفظ بالغوطة إلى حين، ثمّ سلّمها للنظام ورحل، وهذا مثال ينطبق على الكثير من الفصائل التي كانت يوماً تُعتبر من أعمدة الثورة.

إنّ تعاون الفصائل مع الدول والأنظمة الحاكمة لا يمكن أنْ يُفضي إلى أي تغيير، وما يحدث الآن بين هيئة تحرير الشام وتركيا ما هو سوى نموذج مُكرّر مُستنسخ لما كان قد حصل مع "جيش الإسلام"، وسينتهي الأمر بالهيئة إلى الزوال والاندثار في قابل الأيام كما حصل مع سلفها، فهذه نتيجة مؤكدة لا تتخلّف.

لقد انفضح الدور السعودي والقطري في وقت مُبكر من عمر الثورة، وانفضح معه دور الفصائل التي ارتبطت ورهنت نفسها لمالهما السياسي، واليوم ينكشف الدور التركي بوضوح فتخرج المُظاهرات الصاخبة مُندّدةً برأس النظام، وهاتفةً بسقوطه، وتقوم الأجهزة الأمنية التركية في المعابر الحدودية بمحاولة تفريق المتظاهرين بالرصاص والغاز، ويكتشف حتى العوام من مُناصري الثورة حجم التآمر التركي على ثورتهم، حيث رأوا بأمّ أعينهم كيف أنّ بعض النقاط العسكرية التركية تُحاصَر وتُهان على أيدي رجال بشّار، ويركض أردوغان مُستنجداً بالمجرم بوتين للإبقاء على ماء وجهه، ومُستجدياً إياه عدم مس نقاطه العسكرية التي نشرها بفضل هيئة تحرير الشام لحماية النظام المجرم من هجمات الثوار.

وكانت الصورة المعبّرة عن فشل أردوغان وعجزه في سوريا بُعيد اجتماعه ببوتين حيث تمّ تلقيمه بمضغةٍ من (الآيس كريم) لعلها تُبرّد ما طرأ عليه من ارتفاع حرارة فشله السياسي، ثمّ تأتيه الإهانة من جماهير الحاضنة الثورية الذين يهتفون بسقوطه، فيما تختزل إحدى المتظاهرات الرد بطريقةٍ عفوية فتُعلّق على صورة أردوغان مع بوتين وهما يلتهمان (الآيس كريم) فتقول: إذا كانت مشكلته تكمن في (البوظة) فنحن نعطيه إيّاها من عندنا ولماذا من روسيا؟!

إنّ أردوغان قد رهن سياسة بلاده لأمريكا وروسيا، فبالنسبة لإدلب وما حولها فلا يستطيع الخروج قيد أنملة عن مُقررات أستانة وسوتشي، وبالنسبة لشرق الفرات فلا يستطيع التحرك في المنطقة (الآمنة) على الحدود سنتيمتراً واحدا من دون موافقة وإشراف الضباط الأمريكان، وهذا الواقع السياسي يُدركه كل من كان يفهم شيئاً من السياسة، ومن هنا فإنّ تعاون الفصائل الوطنية والفصائل المحسوبة على بعض الحركات الإسلامية وزعاماتها كأنس العبدة رئيس الائتلاف السوري، إنّ تعاونها مع تركيا يعني تخليها عن الثورة، ولهاثها وراء مراكز ومناصب زائفة موعودة لا تُقدّم ولا تؤخّر في أي تغيير حقيقي، ومثلها هيئة تحرير الشام التي ترتكب جرماً أكبر بسبب محاربتها للثوار، ومُحاولتها احتكار العمل العسكري والثوري بمفردها.

لكنّ العجيب أنّ ثورة الشام وبالرغم من كل هذه المؤامرات، ومن كل هذا السقوط، فما زالت صامدة وثابتة على أهدافها، ولعلّ أفضل محصولات حصادها هو انفضاح أمر الأنظمة المخادعة لها كالنظام التركي، وانكشاف أمر الفصائل الخائنة وآخرها هيئة تحرير الشام التي تقوم بأعمال شبيهة بما تقوم بها الأنظمة الحاكمة من بطش واعتقال ومصادرة لأجهزة وأموال مُكوّنات مُخلصة في الثورة كحزب التحرير، وكتمٍ لصوت الحق الذي يصدح به.

إنّ الثورة في الشام لم تنتهِ، وما زالت جذوتها مُشتعلة، وما زال فيها قابلية للاستمرار والوقوف على قدميها، فحاضنتها باتت أكثر نُضجاً، وثوابتها التي خطّها لها حزب التحرير أصبحت أكثر وضوحاً وتقبلاً، وقياداتها المخلصة بدأت تتقدّم الصفوف، وبالجملة فإنّ الثورة اليوم تنفض عنها أثواب المذلة، وينفي كيرها خبثها، فهي في كل يوم تُجدّد مسيرتها، وتخطو بخطاً واثقة نحو غايتها.

كتبه: أبو حمزة الخطواني

 

جريدة الراية: https://bit.ly/2lC4bHd