press

art1712167

قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في عددها الصادر يوم السبت 22/9/2016 إن "ما يحدث في حلب أشبه بـ"يوم القيامة"، والحصول على مساعدة إغاثية مجرد ذكريات باهتة". كما ذكرت الغارديان أن "ما تتعرض له مدينة حلب من هجوم جوي من قبل طائرات نظام الأسد وحلفائه الروس هو "يوم القيامة"... مدينة حلب أصبحت مقبرة كبيرة ومكاناً يوحي بنهاية العالم"، وأضافت الصحيفة أن "سقوط مدينة حلب التي ظلت محاصرة طوال السنوات الماضية بيد قوات الأسد لن ينهي المأساة الإنسانية فيها، كما أنه يشكل عاراً على هذا الجيل". (12/12/2016)، كما نشرت البي بي سي "وصف الحال داخل حلب يرسم صورة عن أرماجدون (يوم القيامة)" (14/12/2016). بات العجز سيد الموقف أمام صورة ثمانين ألف شخص محاصرين في مساحة محدودة بدون خدمات أو ماء نظيف.

تردد هذا التشبيه على مسامعنا في الأيام الماضية واستوقفني ربط أحداث حلب بنهاية العالم وما يعرف في الثقافة النصرانية اليهودية بأرماجدون (المعركة الفاصلة بين قوى الخير والشر في نهاية العالم قبل أن يرث الخالق الأرض وما عليها). ولعل ما يقرب هذا التشبيه الصور ولقطات الأقمار الاصطناعية لحلب والمقاطع التي نشرت بكثافة على وسائل الإعلام البديل وفي وسائل الإعلام العالمية لمأساة المحاصرين في حلب. شهد العالم كثافة وزخماً إعلامياً أشبه ببث حي متواصل لما يجري في شرقي حلب. نعم لم يعد هذا التشبيه بعيدا عن ذهن المتابع بعد صور الدمار الشامل والمشاهد القاسية التي يكاد أن يلتبس فيها الواقع بالخيال، كصورة الحشد وحوله حطام المباني وصور الناجين من تحت الأنقاض. سيل من الفيديوهات والصور الصادمة المتتالية تجسد حجم المأساة وتوقظك مرارا على صرخات الأيامى واليتامى ومنظر الدم وأشلاء الأطفال...

لقد تجاوز عدوان نظام بشار الأسد المدعوم من إيران وروسيا في بشاعته على حلب ما يعرف بسياسة الأرض المحروقة المعروفة بقسوتها ومنافاتها للإنسانية، فلم يكن القصف موجها لإحراق ما يمكن أن يستفيد منه الثوار وتدمير الوسائل اللوجستية والعسكرية بل تخطاه وتحول لهجمة تترية ثانية تهدف للدمار من أجل الدمار. التاريخ يعيد نفسه، فقد تعرضت حلب للدمار على يد بشار وروسيا وإيران ومن ورائهم أمريكا بعد أن تعرضت في السابق للمد المغولي الغاشم. ووقف أبطال حلب اليوم أمام الهجمة الانتقامية التي شنها بشار بدعم روسي إيراني وغطاء أمريكي كما تصدى أهل حلب لجيش هولاكو. لم يحنوا جباههم الشامخة للغوغاء ولم تلن شوكتهم بالرغم من الحصار والتجويع وضرب المدينة بالمنجنيق. نعم اقتحم المغول حلب في الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 1260م ولكن أهلها لم يهزموا وما أن دخل المغول حتى استباحوا الحرمات وسفكوا الدماء ولم يتركوها إلا كتلة من الدمار يعلوها اللهب والدخان، وقيل إن المغول قتلوا كل من في المدينة. ما أشبه غوغاء اليوم بالأمس!

بالرغم من أن حلب ليست المعركة الكبرى فما زالت دمشق والغوطة وغيرها، إلا أن الأضواء سلطت عليها وكأنها ستحدد نهاية الحرب الدائرة في الشام منذ أكثر من خمس سنوات. وخرج السفاح بشار إلى العالم يهنئ شبيحته بدخول حلب وانتصاره المزعوم مع أنه لم يدخلها إلا بعد أن دكها على رؤوس أهلها. خرج محتفلا بنصر مزعوم ملعون أتى على يد روسيا وإيران، واحتفل ليداري الفشل في السيطرة على سوريا وتوالي الهزائم خصوصا بعد خسارته لمدينة تدمر في يوم واحد بعد صراع دام 6 أشهر لاحتلالها.

وتتابع التغطية الإعلامية المكثفة وسيل التصريحات الرنانة والتعليقات تحت هاشتاغات (حلب تباد) و(حلب التهجير والمصير)... وغيرها، وتتكرر صور الدمار والقتل في وسائل الإعلام العالمية بشكل ينشر اليأس والإحباط ويهدف إلى التحضير لما هو قادم. إن مجرد التركيز على صور الحطام والدماء والأشلاء لا يخلق الوعي المنشود ولا يحرك الشارع في العالم الإسلامي أو يوجه الناس للتغيير واستعادة سلطان الأمة المغصوب من أيدي حكام ظلمة، أو يخلق رأيا عاما عالميا يطالب بحماية الأعراف الدولية والأخذ على أيدي من يرتكب جرائم الحرب ويدمر المدن ويصفي الخصوم في قارعة الطرق. إن التركيز على صور اليأس ومشاهد الرعب في الإعلام العالمي قد يخدم الحرب النفسية على الأمة الإسلامية ويفتح شهية الطغاة لارتكاب المزيد من المجازر والزحف لتدمير المدائن، خصوصا أن هذه الجرائم المدونة والموثقة تمر دون عقاب، بل إن العالم يستجدي الطغاة لإجلاء المدنيين وإدخال بعض المعونات فتصد الأبواب أمام المعونات والأدوية ويطلق الطغاة الرصاص على المدنيين العزل النازحين أمام عدسات التصوير.

سبق وأن وظفت هوليوود فكرة الأرماجدون لإثبات الهيمنة الأمريكية على العالم وتعزيز صورة أمريكا المسيطرة القادرة على إنقاذ البشرية في أحلك الظروف. ولكن التوظيف هنا مختلف، ويبدو أن السيناريو الموضوع سلفا هو أن تخلق مشاهد الأرماجدون والنهاية لتقرب الحل السياسي وتهزم روح المقاومة، خصوصا وأن الحرب طال أمدها وأنهكت من خاض فيها وشيبت أوباما وغيره. فكلما تكررت المقاربة بين واقع حلب ونهاية العالم تعمق الشعور بالعجز والإحباط والحيرة أمام الهمجية والحقد واستباحة الدماء.

ما سبق لا يشكك في مصداقية الصور والمشاهد وشهادات الناجين من مجازر بشار الأسد، بل يسلط الضوء على توظيف أمريكا وروسيا والأحلاف والأشياع والأتباع لهول ما يحدث في حلب. ولم يخرج المدنيون والثوار من أنقاض شرق مدينة حلب بشكل فاجأ المجتمع الدولي المتباكي عليهم، بل تم أمام أعينهم وبمتابعة مكثفة. فقد كتبت الواشنطن بوست في 14/12/2016م "الولايات المتحدة تعطي بوتين الضوء الأخضر لارتكاب أعمال وحشية"، وقد تعرضت في المقالة للتواصل والتنسيق الأمريكي الروسي بشأن حلب والأزمة السورية. أمريكا هي المحرك الرئيسي لنظام بشار الأسد وأعوانه والإخوة الأعداء الذين يظهرون الدعم للفصائل ويتباكون على حلب في مجلس الأمن بينما يشقون الصف ويضعفون من جبهة الثوار.

بالأمس أطفأت باريس أنوار برج إيفل تضامنا مع حلب وسكانها وقدم الإعلام الفرنسي تغطية مكثفة لما يحدث في حلب وجرائم بشار وأعوانه وحلفائه، وقال السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة فرنسوا ديلاتر "علينا أن نقوم بكل ما هو ممكن لوقف إراقة الدماء وإجلاء السكان بأمان وتقديم المساعدة لمن هم بحاجة إليها". وتابع إن "أسوأ كارثة إنسانية في القرن الواحد والعشرين تجري تحت أعيننا". وبعد فشل الأمم المتحدة وتآمرها على الثورة السورية وبعد أن تم تفريغ حلب وتهجير أهلها قصرا خرج دي ميستورا وكشف المستور منددا بأن إدلب ستلقى مصير حلب، ويعلن في مؤتمر صحفي مشترك مع السفير الفرنسي "نطالب بالمزيد من الجهود الدولية لإنقاذ حلب وتثبيت الاتفاق الأخير". المتباكون هنا خطرهم أكبر ممن يقصف، وغرضهم القضاء على ثورة الشام المباركة وجر جميع الأطراف بمن فيهم المجرم بشار لطاولة المفاوضات و الدولة المدنية.

توشحت حلب الشهباء بالسواد وخيم الحزن ولم يبق من العمران سوى الأنقاض والتراب ورماد على وجوه الناجين. وأظهر الإعلام عيوناً شاخصة يملؤها الرعب. وسلط الإعلام الضوء على مشاهد الدمار، ولم يُظهر بسالة الرجال وصمودهم ودفاعهم المستميت حتى اللحظات الأخيرة. لم يظهر الأبطال الذين تكالب عليهم الأشرار فلم يلينوا ولم يخضعوا. الحرب في حلب ظهر فيها توظيف الحرب النفسية وإظهار أن المعركة محسومة سلفا والخصم منتصر ومتفوق وأن الحصار أرهق الناس ومن لم يستسلم فستدك حصونهم، والقصد من هذه الحرب النفسية أبعد من حلب ذاتها والثوار المحاصرين داخلها، بل هي لتصفية القضية برمتها والرسائل المبعوثة عامة أكثر منها خاصة.

ختاما نقول: إن حديثهم المتكرر عن حلب ويوم القيامة يدق جرس إنذار في ذهن كل مسلم ويربط الحدث بهول يومٍ فيه يرث الله الأرض ومن عليها، فيستحضر المسلم آيات الساعة ويسأل نفسه ماذا أعددتُ لها؟ وإن ما يخلقونه من مشاهد مرعبة لا تساوي شيئاً أمام قَدر وقُدرة الله العزيز الجبار.

يقول الحق جل وعلا في سورة القمر بعد وصف أحوال اليوم الحق: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 44-49]

ورد في تفسير القرطبي: (قال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه يوم بدر فتقدم من الصف وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد وأصحابه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. وقال سعيد بن جبير: قال سعد بن أبي وقاص: لما نزل قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ كنت لا أدري أي الجمع ينهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ يثب في الدرع ويقول: «اللَّهُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا جَاءَتْكَ تُحَادُّكَ وَتُحَادُّ رَسُولَكَ بِفَخْرِهَا وَخُيَلَائِهَا فَأَخْنِهِمُ الْغَدَاةَ» ثم قال: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ فعرفت تأويلها. وهذا من معجزات النبي ﷺ؛ لأنه أخبر عن غيب فكان كما أخبر. وأخنيت عليه: أفسدت. قال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين؛ فالآية على هذا مكية. وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾).

اللهم أهلك الظالمين واجعل موعدهم سقر، ونجِّ عبادك المخلصين من شر أعدائك وأعداء دينك، وأعزنا يا رحمن بالنصر والتمكين كما نصرت المسلمين في بدر وحطين وعين جالوت.

 

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
هدى محمد (أم يحيى)

المصدر: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/sporadic-sections/articles/political/41069