press

26122018sutchiii

 

جدد الرئيس الأمريكي ترامب، التأكيد على أن القوات الأمريكية ستغادر سوريا بعد أن هزمت تنظيم الدولة، مؤكدا أنه بإمكان دول أخرى مثل تركيا التعامل مع بقايا التنظيم، وكان أردوغان قد هدد قبل أسبوعين بشن عملية جديدة ضد وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا خلال أيام قليلة، لكن بعد أن قرر ترامب سحب قواته من سوريا، عاد أردوغان وقال إن العملية ضد قوات وحدات حماية الشعب الكردية وتنظيم الدولة ستجري خلال الأشهر المقبلة، إن تراجع النظام التركي عن بدء عملية شرق الفرات يدفع إلى التساؤل عن الأسباب الحقيقية لهذا التأجيل، لكن المتابع يعرف أسباب هذا التأجيل إن علم جيداً حقيقة الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي منذ هدم الخلافة العثمانية، إن النظام التركي واقع في منطقة النفوذ الأمريكي ويدور في فلكها كما هو الحال بالنسبة للنظام السوري إلّا أن النظام السوري لا يدور في الفلك وإنما هو تابع عميل، وهذه القراءة تغنيك جداً في تحليل ما يجري وما يخطط في الخفاء وما يحاك في الغرف المظلمة، فهدف النظام التركي هو الحفاظ على مصالح سيدته أمريكا في سوريا وعلى رأسها الحفاظ على نظام الإجرام ومنعه من السقوط، وغير ذلك هو من الترهات الإعلامية التي يتم تمريرها على الناس ولكنها لا تمر على السياسي المبدئي الذي يعمل لنهضة أمته وتحريرها من أعدائها. وبهذه الصورة يتضح أن الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات يحقق لأمريكا أهدافاً عدة في وقت واحد: أهمها تخفيف عدد المتدخلين في الشأن السوري وحصره بأيدي أتباعها وعملائها وإخراج الباقي وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وحتى روسيا، وتقديم انتصار إعلامي لعملاء أمريكا في النظامين السوري والإيراني ووكيلتها روسيا، وكل ذلك على حساب أوروبا ودولها التي اكتشفت الخطة من الانسحاب الأمريكي وتضحيتها بالأكراد على مذبح الأتراك، فكانت التصريحات البريطانية واضحة في أن تنظيم الدولة لم ينته بعد، وتبعتها فرنسا برفضها الانسحاب من سوريا، إذاً الانسحاب الأمريكي من شرق الفرات ما كان ليتم لو لم تضمن رأس الكفر مصالحها ونفوذها في الشام من خلال وكلائها الروس والأتراك والإيرانيين.

أما على الجانب الآخر فإن حلفاء أمريكا من الأحزاب الكردية التي لم تتعلم حتى الآن من كل الدروس السابقة وخذلانها لهم عند كل مفترق طرق، وبيعها لهم مقابل مصالحها فإن عليهم أن يعلموا أن ارتباطهم بعدو الأمة الإسلامية أسقطهم ولن تقوم لهم قائمة، وأن أمريكا نفذت مصالحها على حسابهم وسترميهم الآن أمام النظامين السوري والتركي، ولا حل أمام الأكراد إلا بالتخلص من هذه الأحزاب التي ذهبت بهم إلى المكان الخطأ بعيداً عن تطلعات الأمة وتوجهاتها في التحرر من الغرب وأنظمته، وأن عليهم أن يعودوا للالتحام بأمتهم ودينهم ومبدئهم بعيداً عن التوجهات القومية والماركسية اليسارية، فالعمالة التي دأبت عليها هذه الأحزاب لم تجلب للأكراد أحفاد صلاح الدين إلا العار وجعلتهم في حالة عداء مع أبناء دينهم وعقيدتهم من العرب والترك، وهنا لا نبرئ الطرفين الآخرين من ذلك، فالأفكار القومية هي السبب في كل هذه الفرقة وهذا النزاع، ولكن الحل هو في الإسلام وعقيدته ونظامه.

أما فصائل الثورة التي حُشرت في المحرر شمالاً في إدلب فهي قد أصبحت كالمومياء بعد أن سلمت قرارها للنظام التركي فتحولت من الفعل إلى رد الفعل (إن وجد!) ومن فصائل للجهاد والقتال وتحرير الأرض والعرض إلى فصائل معابر وحواجز، فاقدة للهوية والهدف والرؤية تسيّرها سياسة المنافع والمصالح بعيداً عن الأهداف والمبادئ التي قامت من أجلها، وأصبح على الأمة أن تقرر مصير هذه الفصائل وتضع حداً لمهزلتها بعد أن تحولت إلى أدوات للقمع والبطش وتحولت من هدف إسقاط النظام إلى هدف وحيد وهو بناء جدار الخوف عند الناس الذين خرجوا على نظام القمع والإجرام عبر كتائبها الأمنية وسجونها ومعتقلاتها. لقد آن للمخلصين أن يعوا حقيقة فصائلهم، فقبل وجود هذه الفصائل استطاع الناس وبجهود بسيطة بعد عون الله وتسديده من تحرير أغلب الأرض السورية، ومع تشكيل هذه الفصائل رغم حجمها وأعدادها الكبيرة وتسليحها قامت هذه الفصائل بتسليم الأرض المحررة للنظام، هذه هي الحقيقة المجردة لهذه الفصائل؛ فلا هي أكملت المسيرة ولا هي تركت الناس تتابع عملية تحررها وانعتاقها من النظام وحلفائه، والوعي على هذه الحقيقة رغم مرارته لكنه يجب أن يكون دافعاً للتغيير الذي هو هدف الأمة الإسلامية المؤمنة بنصر الله وتمكينه رغم كل العقبات والمصاعب التي تقف في وجهها.

لقد كانت ثورة الشام صورة مضيئة في تاريخ الأمة أبرزت معدن الأمة الأصيل، فقدمت تضحيات جساماً على مذبح التغيير ولا زالت قادرة على العطاء وتقديم المزيد، ولكن على الأمة أن تكف عن التجارب وأن تقف مع نفسها وقفة تفكر وتدبر في الطريقة التي يجب أن تسير عليها حتى تتمكن من الوصول إلى الهدف، فهي صاحبة السلطان الذي منحه الله لها، فهي من تعيّن من يحكمها وهي تحاسبه وتأطره على الحق أطرا، وهذا لا يكون إلّا باتباع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والسير على هدي الإسلام ومنهجه فهو الهادي إلى سواء السبيل، ولتعلم أمتنا أنه لن يستطيع أي نظام من الانتصار على شعب قرر التحرر فكيف إن استعان بالله وجعل تحكيم شرعه هدفاً له! ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ واعلموا يا أهلنا في الشام أننا على أعتاب مرحلة التغيير الكبير التي سيعز الله به دينه وينصر به عباده المؤمنين الصادقين في ظل خلافة راشدة على منهاج النبوة تعز الإسلام وأهله وتذل الكفر وأهله.

﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾

بقلم: الأستاذ أحمد معاز

جريدة الراية: https://bit.ly/2AdYp2I