publications-cental-media-office

hizb280816

pdf

يخلص الكاتب قاسم قصير في مقالته "جمود الفكر السياسي الإسلامي حزب التحرير نموذجا" المنشور على موقع عربي 21 في 24/8/2016، يخلص إلى التساؤل، وتوجيه دعوة صريحة لحزب التحرير، "لمراجعة جملة أدبياته وتحليلاته السياسية بغية الخروج من خشبية الخطاب التي ما برح الحزب يصر عليها رغم انقضاء 63 عاما على انطلاقته، ورغم ما شهده العالم من مستجدات وتطورات" تجاوزت، حسب رأي السيد قصير "النظرة الضيقة والقالب الضيق الذي جمد عليه الحزب... فصار أشبه بأهل الكهف يكاد يضرب به المثل على جمود الفكر والنظر..."

ولكن لنا أن نتساءل: هل كان شباب الكهف الذين خلّد القرآن الكريم ذِكرَهم وفصّل صدق إيمانهم ورفضهم الخنوع للسلطة الطاغوت المتحكمة برقابة البلاد والعباد يومذاك، فآثروا الهجرة في سبيل الله وفي سبيل المحافظة على عقيدة الإيمان بالله الواحد الأحد، وتخلوا عن موطنهم وموطن أجدادهم وآبائهم لأنهم لم يقبلوا المساومة على عقيدتهم... فهل كانوا على خطأ؟ وهل كان ينبغي عليهم أن يتحلوا بالفطنة و الحكمة فيدخلوا في دين الطاغوت ويكتموا مشاعر الإيمان ومفاهيم العقيدة الصادقة التي تفجرت في قلوبهم ووجدانهم؟! والتساؤل نفسه ينطبق على موقف سحرة فرعون الذين أبوا إلا المجاهرة بكفرهم بطغيانه وانحيازهم إلى موسى عليه السلام رسول الله وشعبه المضطهد المستضعف بعد أن ملأ الإيمان الصادق عليهم شغاف قلوبهم فصدعوا بها مدوية ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؟

لا بل لو أننا أمعنا النظر جيدا ومطولا في مسيرة الأمم ومسيرة الأنبياء والرسل في مقارعتهم للحكام الطواغيت الظلمة لوجدنا أن التساؤل نفسه ينطبق عليهم أجمعين... فما مسيرة الأنبياء وأتباعهم المؤمنين إلا سيرة تقية نقية تجسّد الصراع الحق الصادق بين العقيدة القائمة على الإيمان برب الكون وبين حفنة من الطواغيت الذين صور الشيطان لهم ولأتباعهم أنهم يستطيعون قمع صوت الحق بالقوة الغاشمة العاتية التي تجسد منطق الفرعنة مهما تعددت أساليبها عبر الزمان والمكان.

نعم، إن حزب التحرير منذ اليوم الأول لانطلاقته أعلنها مدوية مجلجلة أن القضية المصيرية للأمة الإسلامية هي واحدة: التحرر من التبعية للاستعمار الغربي والعمل لتحقيق معنى العبودية لله الواحد الأحد بتطبيق شرعه حصرا دون سواه... ولم يداهن الحزب في طرحه ولم ينافق ولم يغمغم، بل صدع بها بأعلى صوته، وقام شبابه وشاباته وأنصاره من عموم المسلمين بالتصدي للحكام الظلمة المجرمين الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات رخيصة بيد الدول الاستعمارية منذ أن قام أسلافهم بالتعاون مع بريطانيا وغيرها بهدم دولة الخلافة على يد مصطفى كمال سنة 1924م. فارتكبوا بذلك خيانة زلزلت الأمة الإسلامية التي دخلت في تيه العبودية الاستعمارية، ولا تزال تدفع التكاليف الباهظة حتى لحظتنا هذه، ولا نحتاج لسرد الأهوال والفظائع التي عاشتها الأمة ولا تزال؛ من تركستان الشرقية حتى غرب إفريقيا ومن تتارستان إلى القرم إلى اليمن السعيد وإلى وسط أفريقيا...

فهل يدعونا السيد قصير إلى التخلي عن خشبية الخطاب والفكر والتحلي بشيء من الواقعية العملية كما سبق للسيد فيصل القاسم في أحد مقالاته أن نصح محذرا من ضيق الأفق بعد أن أثبتت الوقائع الصارخة، عند السيد القاسم، أن من يكفر بجحيم الحضارة الغربية الاستعمارية فمصيره، عند فيصل، العيش خارج الزمان والمكان بعد أن سيطر الغرب حتى على الفضاء...؟!

ونحن نسأل القاسميْن: متى أصبحت مقارعة الباطل والطاغوت خطابا خشبيا؟! ألم تشهد البشرية عبر مسيرتها الطويلة صراعا دائما بين معسكر الحق ومعسكر الباطل؟! ألا تقوم الحضارة المادية، مهما كانت أشكالها ومسمياتها عبر الزمن، ألا تقوم على استعباد حفنة من الآلهة المزيفة، سواء أسُمّيت فرعوناً أو قيصرا أو كسرى أو فيلسوفا متحذلقا متفلسفا أو مؤخرا برلمانا ديمقراطيا يشرعن عبوديته ما يسمى بالمحكمة العليا؟! فكل هولاء يستعبدون بقية الشعب أولاً ثم يسعون لاستعباد الشعوب المغلوبة بقوة الحديد والنار أو بقوة البنك الدولي وما يسمى بالأمم المتحدة التي ما هي إلا خرقة لستر عورات النظام الاستعماري العالمي القائم على نهب ثروات الأمم وعلى عقيدة مادية لا تقيم وزنا للقيم الإنسانية والروحية ولا تعرف غير معنى البطش والقهر المستند إلى القاعدة الميكيافيلية: "الغاية تبرر الوسيلة"، والتي هي صنو شريعة الغاب التي تقدس الحق المزعوم للقوة البهيمية بعيدا عن حجة الفكر والبرهان والحق... فليس في شرعهم ولا في دينهم المادي الاستعماري حق ولا حجة تقوم على الفكر الذي يقنع العقل الإنساني وإنما منطق شريعة الغاب التي تجعل من هتلر مجرماً وتجعل من روزفلت صاحب قنبتلي هيروشيما وناغازاكي بطلا، مع أن كلاً منهما غارق في الجريمة!!

رحم الله مالك بن نبي الذي أقض مضجعه انتشار القابلية للاستعمار في وسط أمته التي كانت دوما حرة أبية معتزة بإيمانها بربها ورسالة نبيها التي جعلتها خير أمة أخرجت للناس، ولا يضيرنا كيد المستعمرين ولكن تتأثر قلوبنا حين تقرأ كلاما للسيد قاسم قصير وهو الذي يعرف شباب حزب التحرير ومنهم كاتب هذا الرد، فيأبى قاسم إلا أن ينسب الافتراء إلى بعض المصادر الإسلامية المجهولة ناقلا الزعم المُفترَى أن الحزب كان يرى أن إقامة دولة الخلافة لا تحتاج لأكثر من 13 سنة حسب فهمه لسيرة النبي محمد ﷺ. ولو طَرَق بابَنا أو حتى عنى نفسه باتصال هاتفي لأوضحنا له ما أشكل عليه...
لكل من قاسم قصير وفيصل القاسم وأمثالهما أن يقدموا النصائح المسمومة بوجوب التخلي عن أوهام الخطاب الخشبي وبلزوم الحكمة البراغماتية بالخضوع للعهد الاستعماري وهذا شأنهم...

أما نحن معشر الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا وعد الله سبحانه وتعالى وبشرى نبيه المصطفى ﷺ فلن نحني هاماتنا لغير الله ولن نرضى بذل العبودية للاستعمار ما حيينا، بل هو كفاح وجهاد في سبيل مرضاة الله خالق السماوات والأرض، ولا نشك لحظة أننا منصورون بحول الله وقوته ولو بعد حين، إلا أننا أثبتنا انتصارنا في معركة الأفكار والمفاهيم منذ أن عصينا العهر الاستعماري.

وصدق الله سبحانه وهو القائل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وصدق رسول الله ﷺ القائل: «إنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ مُلْك أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا».


عثمان بخاش
مدير المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

التاريخ الهجري 25 من ذي القعدة 1437هـ
رقم الإصدار: 1437هـ / 052
التاريخ الميلادي الأحد, 28 آب/أغسطس 2016 م

المصدر: http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/pressreleases/cmo/39083