press

حملة لا لجريمة الحل السياسي نعم لإسقاط النظام وإقامة الخلافة

banner

18

 

أحداث في الميزان:
قرار تنظيم بيع الخمور:
مؤشر لاختلال هوية الدولة وغياب المشروع السياسي



الحدث:
قرار لمجلس محافظة دمشق المتعلق بضبط ترخيص بيع الخمور في دمشق "استناداً إلى المراسيم السابقة الصادرة في هذا السياق والتي صدرت في حقبة المجرمين حافظ وابنه بشار ومن سبقهم"، وما رافق ذلك من احتجاجات من قبل بعض أبناء الطائفة المسيحية الرافضين لهذا المرسوم.

الميزان:
إزاء هذا الخبر يمكن تسجيل جملة من الملاحظات:
أولًا: من الواضح أن القرار لم يتجه نحو منع بيع الخمور بشكل كامل، ولم ينطلق من مرجعية الشريعة الإسلامية، بل جاء في إطار تنظيم عملية البيع ضمن مناطق محددة وخاضعة للترخيص. وبذلك، بقيت الخمور متاحة ضمن هذه الأطر القانونية دون تمييز ديني بين المشترين، حيث يمكن لأي فرد، بغض النظر عن دينه، الحصول عليها من الأماكن المصرّح لها.
ثمّ إن السماح ببيع الخمور داخل "الملاهي الليلية" يُعدّ، من حيث الواقع، إقراراً بوجود هذه الأماكن وشرعنة لنشاطها، ما يجعل المرسوم ممتداً إلى قوننة أنماط سلوكية واجتماعية قائمة لا أخلاقية ومحرّمة شرعاً.
ثانياً: يبدو أنّ القرار سعى لتحسين الآداب العامة، والحد من مظاهر الفوضى المرتبطة بتعاطي الخمر في الشوارع، ولكن صاحب هذا القرار، ومن حيث يدري أو لا يدري، عزّز الشعور بوجود وزن ومكوّن وكتلة للمسيحيين في دمشق على غرار ما سبقه من إيجاد وزن وثِقَل لمكوّنات أخرى كالدروز والنصيرية وقسد، بحيث يرى أهل الثورة وأهل السنّة أنفسهم مكوّنا كباقي المكونات، وبعبارة أخرى أن يكون وزن المكون السنّي هو واحد من خمسة مع أنهم يشكّلون غالبية أهل البلد الذين قامت على عاتقهم الثورة وقدموا لها التضحيات، إلا أن وزنهم سيكون الخُمس على اعتبار أنهم مكوّن من المكونات الخمسة.
وقد خرج قسم من النصارى بمظاهرات تعكس أنّهم تلقّفوا رسالة واستجابوا لخطاب ما، وظهروا ككتلة ومكوّن.
ثالثاً: من المؤسف أن تترافق هذه التطورات مع تصاعد خطاب في بعض أوساط الشارع، يصف القيادة الحالية بأنها "حكومة الأقليات أو حكومة السكرجية"، في الوقت الذي ظنّ الثوار فيه أنّ الإدارة الحالية التي أوصلها المجاهدون لقصر دمشق ستكون نموذجَ حكمٍ إسلامي منسجم مع ما قدموه من تضحيات ويعكس تطلعاتهم وهويتهم بشكل أوضح، تحكم المسلمين وغير المسلمين بشريعة رب العالمين التي لا ينقصها وجود أحكام شرعية خاصة لأهل الذمّة وغيرهم من رعايا الدولة.
رابعاً: إنّ نهج الخوف والخضوع الذي تتبعه القيادة الحالية هو المنبع الذي يتحكّم في هكذا قرارات تراعي عند صدورها عدم استفزاز مشاعر الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي النصراني وعدم إغضابهم، وهم الذين أخبرنا الله عنهم بأنهم لن يرضوا عنّا حتّى نتّبع ملّتهم.
وبالتالي فإن عقلية الخضوع والهروب من المواجهة الحتمية الحضارية هي العقلية التي ينبغي أن يتم تغييرها حتى يتم تغيير هذه الارتجالية والتخبّط والتجريب.
خامساً: إنّ من يخرج بثورة تستمر 14 عاما ويصل للحكم ولا يملك مشروعاً واضحاً دقيقاً تفصيلياً، فمن الطبيعي أن يبقى متخبّطاً ومعتمداً على مشروع النظام الذي خرج ضده "مع بعض الترقيعات الجزئية" لا تغيير نمط الحكم السابق الذي تمّت الثورة عليه لتغييره.
وبالتالي فإنه ينبغي لمن يسعى للتغيير الآن وفي كل زمان ومكان أن يبحث عن المشروع البديل الواضح الدقيق البعيد كل البعد عن الرمادية والضبابية والغموض، لا أن يبحث عن تغيير أشخاص سيقومون بتطبيق نفس المشروع السابق مع بعض الترقيعات؛ وإلا فإن أي محاولة ستقع في نفس المستنقع دون جدوى سواءً استلم الحكمَ حليقٌ (رياض حجاب كمثال) أو ملتحٍ (معاذ الخطيب كمثال) أو ذو رتبة عسكرية (مناف طلاس كمثال).

وفي الختام:
إنّ الإشكال الحقيقي لا يكمن في مرسوم هنا أو قرار هناك، بل في غياب الرؤية الواضحة التي تُحدّد هوية الدولة واتجاهها. فالدول لا تُدار بردود الأفعال ولا بالموازنات المؤقتة بين الضغوط، بل تُبنى على مشروع فكري وسياسي متكامل. وما لم يتوفر هذا المشروع، ستبقى القرارات متخبطة، وستبقى كل خطوة إلى الأمام محفوفة بالعودة إلى الوراء.
فبعد سنوات طويلة من التضحيات، لم يعد مقبولًا أن يكون سقف الطموح هو إدارة الواقع كما هو، بل تغييره جذرياً نحو ما يعبّر عن تطلعات المجتمع. فالثورات لا تُقاس بوصول أشخاص إلى السلطة، بل بقدرتها على بناء مشروع جديد وتطبيقه تطبيقا يقطع الصلة مع الماضي، ولا يعيد إنتاجه بصيغة معدّلة تعديلا سطحيا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
مصطفى سليمان
لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية سوريا