
لم تعد مشاهد التعذيب التي تُنشر تباعاً عن سجون النظام البائد في سوريا حدثاً مفاجئاً، ولا كشفاً جديداً لجرائم مجهولة، بل هي جزء من واقعٍ عاشه أهل الشام لعقود، وأيقنوا تفاصيله قبل أن توثقه الكاميرات أو تتداوله المنصات.
ومع ذلك، فإن توقيت هذه التسريبات، وتكرارها على شكل موجات، سواء عبر جهات إعلامية محسوبة على دول، أو عبر مقاطع مجهولة المصدر تنتشر على وسائل التواصل، يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا الشكل الذي يعيد فتح الجرح دون أن يقدّم مساراً واضحاً للمحاسبة؟
ولا يحتاج أهل الشام إلى مزيدٍ من الأدلة لإثبات إجرام النظام البائد، ولا إلى مقاطع مسرّبة تعيد تصوير ما هو ثابت في وجدانهم وواقعهم منذ عقود، فقد عايشوا هذا الإجرام تفصيلاً، ورأوه يُمارس بحقهم على مدى أربعة عشر عاماً، بل وقبل ذلك بزمن طويل. ولذلك فإن إعادة عرض الجرائم، مهما بلغت قسوتها، لا تضيف جديداً بقدر ما تؤكد ما هو معلوم.
إن التركيز على إعادة عرض الجرائم، مع إبقاء الملف في إطار الصدمة الإعلامية، دون انتقال حقيقي نحو المحاسبة، يحوّل القضية من قضية عدل يُطلب، إلى حالة استنزاف عاطفي وإلهاء مستمر، يُبقي الناس في دائرة رد الفعل، بدل أن يدفع باتجاه الحسم.
وعليه، فإن الاقتصار على كشف الجرائم، دون الانتقال إلى تفكيك المنظومة التي أنتجتها، يُعد قصوراً في معالجة أصل المشكلة. إذ إن المطلوب اليوم ليس فقط محاسبة الأفراد، بل اجتثاث كامل للبنية التي قام عليها النظام البائد، على المستويات الفكرية والسياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، لأن بقاء هذه البنية، بأي صورة كانت، يعني بالضرورة إعادة إنتاج الظلم ذاته، وإن تغيّرت الوجوه.
إن المسؤولية اليوم لا تقف عند حدود التوصيف، بل يجب أن تتجاوزه إلى الفعل، فالمجرمون معروفون، والملفات مفتوحة، وكثيرٌ منهم بات في قبضة الجهات الحاكمة، أو ضمن مسارات ما يسمى بالعدالة الانتقالية، غير أن العدالة التي تُؤجَّل، وتُقيَّد، وتُربط بحسابات وضغوط، تفقد معناها، وتتحول إلى غطاء للعجز.
إن ما يحتاجه أهل الشام اليوم، ليس مزيداً من المقاطع، بل قراراً حاسماً يضع حداً لهذا الملف، عبر محاسبة سريعة وعادلة لكل من أجرم، دون تمييع أو تسويف، لأن تأخير الحساب لا يحفظ الاستقرار، بل يهدده، ويفتح الباب أمام عودة الفوضى وبقايا النظام البائد، فالقضية لم تعد إثبات جريمة، بل إقامة عدل.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
أحمد زكريا
