press

حملة لا لجريمة الحل السياسي نعم لإسقاط النظام وإقامة الخلافة

banner

26

 

 



يركز الخطاب القرآني على ربط حركة الكون المتجددة بحركة التاريخ البشري، ليرسخ في نفوس المؤمنين حقيقة أزلية لا تتزعزع؛ وهي أن الظلم مهما تمدد واستطال، فإن نهايته حتمية مرسومة بقدر إلهي لا يتخلف.
ويبرز هذا المعنى بوضوح آسر في مطلع سورة الفجر، حين يقسم الله سبحانه وتعالى بالفجر واللِّيَالِ العشر، وهي الأيام المباركة من ذي الحجة التي تشهد أعظم مشاعر الإسلام.
إن هذا التلازم بين بزوغ الفجر، الذي يمزق ثوب الظلام الدامس، وبين الليالي العشر، يحمل بشارة صريحة لكل مستضعف بأن عتمة الاستبداد وطغيان المستكبرين يمران بحتمية زوال تشبه تماماً انسلاخ الليل عن النهار. فالقرآن لا يذكر هذا القسم لمجرد لفت الأنظار إلى عظمة الزمان فحسب، بل يتبعه مباشرة، وفي السياق ذاته، باستعراض مصارع الطغاة الكبار في التاريخ كقوم عاد وثمود وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فكان عاقبة أمرهم أن صبّ عليهم ربك سوط عذاب.
هذا الربط البديع بين الزمن والعمل ومصير الظالمين يعيد صياغة وعي الإنسان المسلم، فالسياق القرآني يضع العمل الصالح في هذه الأيام العشر كأداة حية لتفكيك أركان الطغيان من النفوس أولاً ثم من الواقع ثانياً.
وحين يقبل المؤمنون على ربهم في هذه الأيام بروح التكبير والتهليل، فإنهم لا يؤدون شعيرة تعبدية مجردة، بل يعلنون صيحة تحرر كبرى تختصرها كلمة "الله أكبر". هذه الكلمة تحديداً هي القذيفة التي تدك عروش الفراعنة في كل عصر، لأنها تعيد ترتيب الموازين في القلوب؛ فإذا عظم الخالق في نفس العبد، صغرت في عينه قوى الأرض مجتمعة، وتلاشت هيبة الجبابرة العاتية التي يصنعونها من هالة الخوف والترهيب.

وتبرز أهمية العمل في هذه العشر خاصة في فريضة الحج، التي تمثل ظاهرة إيمانية كبرى تذوب فيها كل الفوارق الطبقية، والعرقية، والقومية. يجتمع المسلمون بلباس واحد، ونداء واحد، وحركة متناغمة حول بيت واحد، وهو ما ينسف في الصميم سياسة "فرق تسد" التي يرتكز عليها كل مستبد لضمان بقائه والسيطرة على شعبه.
إن مشهد الحجيج وهم يفيضون معاً ويسيرون معاً يجسد قوة الأمة المتلاحمة التي يجب أن تنبذ الفرقة والتبعية وتكفر بالقوميات والوطنيات، وتحول العمل الصالح من مجرد جهد فردي إلى حركة جماعية مباركة تستجلب نصر الله وتأييده.
وفي نهاية المطاف، يظل القسم الرباني بهذه الأيام معلماً هادياً يرسخ اليقين بأن سنن الله في خلقه ثابتة لا تتبدل ولا تحابي أحداً.
فكما جعل الله الليالي العشر تنتهي بيوم النحر الذي هو يوم الفرح والنصر والفيض الإلهي، وكما جعل الفجر يطرد العتمة مهما بلغت حلكتها، فإنه سبحانه قد خطّ في لوح القدر أن ليل الظالمين قصير، وأن بطشهم ذاهب لا محالة.
إن العمل الحقيقي الذي يجب أن تصيغه الأمة في هذه الأيام هو العمل الدؤوب والمقاومة الواعية للباطل وأهله، متسلحة بالوعي والبصيرة واللجوء للخالق المدبر، ليكون هذا كله هو الوقود الذي يسرّع زوال كل العروش الجائرة، ويبهج قلوب المؤمنين بفجر جديد من العدل في ظل تطبيق الشريعة عبر إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
منير ناصر