press

حملة لا لجريمة الحل السياسي نعم لإسقاط النظام وإقامة الخلافة

banner

 

 18

 

 

 



{ وَفِی ٱلسَّمَاۤءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقࣱّ مِّثۡلَ مَاۤ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ}.
لأن الرزق بكل أشكاله هو مايشغل بال الإنسان وهو مقترن بحياته ومعيشته اليومية بل واللحظية فقد أكد الله وشدد في التأكيد، وكرر ذلك في غير آية وفي غير سورة بأن الرزق منه وحده لا غير، وهو الذي قسم وقدر الأرزاق والأقوات، بل وكان التأكيد منه عز وجل بالقسم إنما كان لضعف الإنسان وخوفه الكبير من الفقر.

إن رزقنا في السماء مقدر ومكفول، ومع أننا نستهلك رزقنا من الأرض إلا أن المعنى الذي يريده الله أن أساس الرزق ومصدره من الله، فهو الذي يعطي ويمنع ويقبض ويبسط وينزل المطر ويمنعه كيف شاء وفي أي وقت شاء، ولولاه لما كانت حياة ولا زرع ولا عيش، فالمقسّم والموزع للرزق هو الله، ويكفيك طمأنينة أن الذي يقدر ويقسم الأرزاق هو الله. فالذي يعطيك ويقسم رزقك هو العليم الخبير بحالك في طفولتك وشبابك وهرمك، وهو الحفيظ الذي يحفظ لك رزقك والحكيم كيف يعطيك ماينفعك في وقت ويخفف عنك مايضرك في وقت آخر، وهو القوي القادر على إيصال الرزق لك أينما كنت وفي أي وقت كان فلا تجزع ولا تخف.

{فَوَرَبِّ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ}، قسمٌ بكلمة(رب) وليس بغيرها، وكأن مانستشعره من هذه الكلمة هو القيّم والمربّي والمدبّر والخالق والرازق المتابع لما قسمه وتكفل به والمحيط بمخلوقاته وما قدر لها وما كان وسيكون بشأنها وبكل مايخصها في كل التفاصيل كبيرها وصغيرها..

يقول صاحب الظلال:
إن النفس البشرية أمام هذا القسم تقف مذهولة أمام رعاية الله ولطفه،"إنها لمسة تهز النفس هزاً عنيفاً، وتثير فيها من الوعي والالتفات ما لا يثيره بيان مجرد. فالقضية قضية الرزق، والعبد يتطلع إلى الرزق ويهتم به، والله يُعلم العبد أن رزقه في السماء ومقدر هناك. ثم لا يدعه لتقديره هذا، بل يقسم له بنفسه...
إنه لأمر عظيم، يبعث على الارتجاف والخشوع؛ أن يقوم رب السماء والأرض -الخالق الجبار- بالقسم لهذا المخلوق الإنساني الصغير، الضئيل، الجاهل، لكي يُطمئن قلبه على رزقه! وهو الغني عن العباد، والعباد هم الفقراء إليه".ويضيف أن هذا التنزّل الإلهي بالقسم يعكس مدى رحمة الله بضعف هذا الإنسان، الذي يعلم سبحانه أن غريزة الخوف على الحياة والمستقبل قد تملأ قلبه قلقاً، فأراد أن يقتلع هذا القلق بيمينٍ منه سبحانه.

يروي القرطبي أن الأصمعي قال: أقبلتُ من جامع البصرة، فطلع أعرابي على قعود (جمل) له، فقال: من الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يُتلى فيه كلام الرحمن. قال: واتلُ عليَّ. فقرأتُ والذاريات... حتى بلغت: {وفي السماء رزقكم وما توعدون}، فقال الأعرابي: حسْبك! ثم قام إلى ناقته فنحرها ووزع لحمها، وكسر سيفه وولى. يقول الأصمعي: فلما حججت مع الرشيد، طفتُ فإذا أنا بمن يناديني بصوت رقيق، فالتفت فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرّ، فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا الرحمن حقاً، هل من غيره؟ فقرأت: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}، فصاح الأعرابي وقال: "يا سبحان الله! مَن الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ ألم يصدقوه حتى ألجؤوه إلى اليمين؟!" قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه.

رزقكم في السماء ليس مع المعلم والسيد ولا بيد الحاكم والمدير والمسؤول إنما في السماء... ليس بيد أحد من المخلوقات، هو في خزائن الله وملكه.

{إِنَّهُۥ لَحَقࣱّ مِّثۡلَ مَاۤ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ}.
جاء في الظلال أيضا:
إن نطقكم هذا واقع تشهدونه، ولا تجادلون فيه، ولا يقع في أوهامكم أنه ليس واقعاً وأنتم تنطقون.. فكذلك أمر الرزق وأمر ما توعدون، هو حق واقع ثابت ثبوتاً لا يقبل الشك، كخروج هذا النطق من أفواهكم.

لم أجد أحدا في حياتي خشي أو خاف انقطاع الماء إلا في حالات مخصوصة نادرة كالمسافر في الصحراء إذا نفد زاده او غير ذلك. ومع هذا الخوف فهو يعلم أنه متى ما خرج من الصحراء وجد الماء وحُلت قضيته.
لكن الكثير من الناس إلا من رحم الله يخشون ويخافون انقطاع الرزق، مع أن الذي أوجد الماء وأودعه في الأرض وانزله من السماء هو ذاته الذي أنزل الرزق وقسمه... والماء من الرزق.
فخشيتنا كلها ليست ذات قيمة وهي أوهام فحسب أراحنا الله من همها والانشغال بها في كتابه وقسمه، وجعلها في عقيدتنا إيمانا راسخا ويجب أن نجعلها كذلك في كلامنا وواقعنا.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
نور الدين خرمندي