
دعونا نقف وقفةَ تدبُّرٍ مع عددٍ من الآيات القرآنية الكريمة التي نهى الله فيها نبيَّه محمدًا ﷺ عن طاعة الكافرين، لنتأمل دلالاتها، ونتبيَّن ما يجب علينا اليوم تجاه هذا التوجيه القرآني العظيم.
اللافتُ للنظر أن أول نهيٍ عن طاعة الكافرين جاء في سورة العلق، وهي أول سورة نزلت على نبينا ﷺ، حيث قال تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. [سورة العلق: 19]. قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: "لا تُطِعْهُ؛ يقول جلَّ ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: لا تُطع أبا جهل فيما أمرك به من ترك الصلاة لربك."
وهذا وإن كان يُفهم من سياق السورة، حيث قال تعالى قبلها: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾، إلا أن النهي عن طاعة الكافرين جاء مطلقًا، فيشمل كل ما يدعون إليه من التخلي عن الدين، أو تعطيل الدعوة، أو الإعراض عن تحكيم الإسلام في واقع الحياة.
ولم يكن أبو جهل كافرًا عاديًّا، بل كان من سادة قريش وزعمائها. ولم يكن عداؤه لدعوة النبي ﷺ لأنها تدعو إلى الصلاة بوصفها شعيرةً فردية فحسب، وإنما لأنها كانت مشروعًا يهدد سلطان قريش، ويدعو إلى إخضاع الحياة كلها لأوامر الله ونواهيه، بما في ذلك الحكم والسياسة.
ولا بد من التنبيه إلى أن خطاب الله سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ في القرآن هو في الأصل خطابٌ للأمة ما لم يدل دليلٌ على تخصيصه؛ ولذلك فإن هذا التوجيه يشمل المسلمين جميعًا، ولا سيما من يتولى أمرًا من أمور الحكم أو القيادة، فإن طاعة الكافرين في مخالفة شرع الله تؤول إلى ترك حكم الله، واستبدال أحكام البشر بأحكام الإسلام، وهو المقصد الذي سعت إليه قوى الكفر قديمًا وحديثًا. وليس اعتراضها في الغالب على الشعائر التعبدية المجردة، كالصلاة والصيام والحج، وإنما على ظهور الإسلام نظامًا يحكم الحياة ويقود المجتمع. ولذلك قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. [سورة الإنسان: 24]. ويستفاد من هذه الآية الأمر بالثبات على حكم الله وعدم الانقياد لمن يدعو إلى مخالفته، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. [سورة المائدة: 49].
فغايةُ أعداء الإسلام أن يُحال بين المسلمين وبين تحكيم شريعة ربهم، وألا يروا للإسلام سلطانًا ظاهرًا أو تمكينًا حقيقيًا.
وفي سورة الكهف، التي سُنَّ لنا أن نقرأها كل أسبوع، يتجدد التأكيد على هذا المعنى، إذ يقول سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾. [سورة الكهف: 28].
وفي هذه الآية توجيهٌ رباني للنبي ﷺ بالثبات مع المؤمنين، والصبر على طريق الدعوة، وعدم الالتفات إلى ضغوط أهل الكفر والترف. وقد نزلت السورة في مرحلة الاستضعاف، لتؤكد أن الثبات على أمر الله مقدمٌ على كل اعتبارات الدنيا.
ثم بعد قيام دولة الإسلام في المدينة، استمرت الآيات تنزل محذرةً من طاعة الكافرين، وأضافت إليهم المنافقين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. [سورة الأحزاب: 1].
وكأن الخطاب يقول: مهما اشتدت المحن، وتكالب الأعداء، وخانت طوائف الداخل، فلا يحملنكم ذلك على التنازل عن أمر الله، أو طاعة أعدائه؛ فبعد كل ضيق فرج، وبعد كل شدة نصر، وقد رأى المؤمنون كيف هزم الله الأحزاب، وكفى المؤمنين القتال.
وقد تكرر التحذير من طاعة الكافرين في مواضع عديدة من القرآن، مما يدل على خطورة هذا المنزلق وآثاره على الأمة، ومن ذلك:
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. [سورة الأنعام: 116].
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ، وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. [سورة الفرقان: 52].
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَدَعْ أَذَاهُمْ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. [سورة الأحزاب: 48].
﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾. [سورة القلم: 8].
وفي ضوء هذه التوجيهات القرآنية، ينبغي على أصحاب القرار في دمشق أن يحذروا من الضغوط والإملاءات الخارجية، وخاصة الأمريكية منها وألا تكون حجة الانفتاح السياسي أو الدبلوماسي والطمع في رفع العقوبات مدخلًا للتنازل عن ثوابت الدين أو القبول بما يخالف أحكام الإسلام.
إن القرآن لم ينهَ عن طاعة الكافرين في مرحلة الاستضعاف فحسب، ولا في مرحلة التمكين وحدها، بل جاء هذا التوجيه ملازمًا لمسيرة الدعوة والدولة معًا، ليبقى ميزانًا ثابتًا للأمة في كل زمان. فالعزة لا تُنال بالتبعية، والسيادة لا تُبنى بالإذعان، والتمكين لا يكون إلا بالاعتصام بحبل الله والتمسك بشرعه.
وإن الأمة التي تجعل وحي الله مرجعها الأعلى، وتستمد قرارها من عقيدتها، ولا تسمح لضغوط الخارج أن تصوغ هويتها أو تشريعاتها، هي الأمة الجديرة بوعد الله بالنصر والاستخلاف. أما التنازل عن ثوابت الدين إرضاءً لقوى الأرض، فلن يجلب أمنًا دائمًا ولا استقرارًا حقيقيًا، وإنما يزيد الخصوم طمعًا ويورث الأمة ضعفًا ووهنًا.
فلنثبت على كتاب ربنا، ولنعتصم بسنة نبينا ﷺ، ولنجعل طاعة الله فوق كل اعتبار، مستيقنين بوعده الحق: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. [سورة آل عمران: 160].
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
أحمد الصوراني
