- التفاصيل

أقريطش جزيرة في البحر المتوسط، فتحها المسلمون وسكنوها زمناً طويلاً، فعمروها وغزوا جميع ما حولها من جزائر القسطنطينية ففتحوا أكثر الجزائر وغنموا وسبوا .
ولم يكن لملك القسطنطينية بهم طاقة ، ففكر فيما يفعله معهم من المكر والخديعة .
فأقبل الملك أرمانوس إلى عبد العزيز بن شعيب بن عمر صاحب جزيرة أقريطش . وتقرب إليه بالهدايا والتحف ، وأظهر له المودة والمحبة، فلما استحكمت الوصلة بينهم وتأكدت ، أنفذ أرمانوس رجلاً من المسلمين ومعه هدية جليلة . فلما حضر بين صاحب أقريطش وقدم الهدية ، قال له : الملك يسلم عليك ويقول لك : نحن جيران وأصدقاء ، وهؤلاء المساكين سكان الجزائر قوم ضعفاء فقراء ، وقد خلا أكثرهم من خوفك ، وقلوبهم تحن إلى أوطانهم . ولي ولك بهم راحة وفائدة . فإن خفّ عليك أن تحسب ما يحصل لك من غزوهم في كل عام وأنا أضاعفه لك أضعافاً ، وتؤمنّهم وترفع عنهم الغزو وتفسح لهم في السفر إلى جزيرتك ، ويتوجه التجار إليك ، ويحصل لك من الحقوق أضعاف ما يحصل لك من الغزو .
فأجابه إلى سؤاله . وتحالفا وتصالحا واتفقا على مال يؤدّي في كل عام ، فوفى له أرمانوس بجميع ذلك، وألزم التجار بالسفر إلى أقريطش والقسطنطينية وجميع الجزائر . فكثرت أموال صاحبها وأخذ في جمع الأموال واختصر العطاء للجند .
فكان هذا أول نتيجة لفخ الغدر والمكر، حيث توقف المسلمون عن غزو الجزر التي تتبع للقسطنطينية، ثم ونتيجة لتوقف الغزو قل عدد المجاهدين، ونقصت عدتهم
ثم وقع بالقسطنطينية قحط وغلاء، فأنفذ الملك إلى صاحب إقريطش رسولاً يقول : قد وقع بالبلاد ما اتصل بك من الجدب، ولنا خيل أصيلة برسم النتاج تعزّ علينا ، فإن رأيت أن أنفذها إلى الجزيرة ، وما نتجت من الذكور تكون للملك ، وما نتجت من الإناث فهو لك .
فأجابه حاكم أقريطش إلى ذلك، فأرسل إلى الجزيرة خمسمائة فرس في المراكب ومعها رعاتها .
فلما استقرت الخيل بالجزيرة ، عبأ الروم العساكر على تلطف واستخفاء ، وقدموا عليها وذلك في غرة المحرم سنة خمس وثلاثمائة، فدخل الأسطول إلى الجهة التي فيها الأفراس . ونزل كل فارس بسرجه ولجامه
وفاجؤوا أهل الجزيرة على غرة وغفلة، فملكوها وقتلوا صاحبها ومن معه من الجند ، ووجد الروم الأموال التي كانوا بذلوها مضاعفة فأخذوها، وسبوا نساء الأجناد وذراريهم . وشحنوها بالعدد والأجناد، وهكذا ضاعت أقريطش، بالحيلة والمكر وغفلة الوالي وانخداعه بمعسول كلام الروم.
وهذه نتيجة التحالف مع الدول الكبرى، فهي تظهر للمسلمين أنها تريد لهم الخير، وهم يمكرون بالخفاء لهذه الأمة. فانظر كيف جاء المكر الثاني حيث أن ملك الروم أرسل هدايا ظاهرها فيه الرحمة وباطنها العذاب، مثل القواعد العسكرية الأمريكية في بلاد المسلمين، حيث يخدعون المسلمين أنها لحمايتهم، والواقع أنها لمنع عودة الإسلام إلى الحياة ولمنع المسلمين من أن تقوم لهم قائمة، ولحماية نواطير أمريكا من غضب الشعوب
المرجع: نهاية الأرب في فنون الأدب (24/ 211).
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
عبدالرحمن محمود
- التفاصيل

إثر لقائه المغلق برئيس سوريا للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في العاشر من الشهر الماضي، في البيت الأبيض، صرح رئيس أمريكا ترامب للصحفيين أنه على وفاق مع الشرع، وأنه على ثقة ويقين من أنه سيتمكن من القيام بمهامه وعمله بنجاح، وكانت الخارجية الأمريكية أشادت يوم الجمعة بما وصفته "تقدّما ملحوظا" في سلوك القيادة السورية الجديدة. فيما أكد وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، "توقيع سوريا مؤخراً إعلان تعاون سياسي مع التحالف الدولي لهزيمة داعش"، وأن "سوريا شريك في مكافحة الإرهاب"، وأضاف: "إن الرئيس ترامب أشاد بتحول سوريا وأنه أبدى دعمه لترتيب أمني محتمل مع إسرائيل". أما وزارة الحرب الأمريكية فأكدت أيضاً أن سوريا "في طريقها للانضمام إلى التحالف الدولي".
وكان المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك، قد أعلن أن الرئيس أحمد الشرع سيوقع خلال زيارته على وثيقة شراكة تضع سوريا داخل هذا التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، فيما علق على لقاء ترامب بالشرع بالقول: "سوريا كانت هي المشكلة واليوم أصبحت سوريا شريكا أساسيا لنا...، الحكومة السورية شريك أساسي في الحرب ضد تنظيم الدولة والحرب على "الإرهاب"... سوريا التي كانت مصدرا للإرهاب اليوم هي شريك في مكافحته". أما نائب المتحدث باسم الخارجية الأمريكية فصرح قائلاً: "سوريا تحولت من دولة كانت وكيلة للنظام الإيراني إلى دولة تتعاون معنا الآن في مكافحة الإرهاب".
فيما ذكر تقرير معهد الشرق الأوسط، نقلاً عن مصدر في مديرية الأمن العام، أن "التنسيق الأخير بين دمشق وقيادة التحالف شمل اتفاقيات عملياتية متعددة، أبرزها: تبادل المعلومات الاستخبارية بين وحدة الاستطلاع في وزارة الداخلية وغرف عمليات التحالف الدولي، بما يمهّد لتأسيس قنوات تعاون أمنية أكثر مؤسسية واستدامة".
ويأتي هذا اللقاء بالتزامن مع تقارير إعلامية كثيرة، منها ما نقلته رويترز في 6 تشرين الثاني نقلاً عن مصادر مطلعة، عن سعي أمريكا لتأسيس وجود عسكري لها في قاعدة جوية بدمشق، ليعقب ذلك نفيٌ سوري أمريكي متوقَّع.
إن الانخراط الكارثي للإدارة الحالية في التحالف الدولي هو شرعنة للوجود الأمريكي في سوريا، وتبرئة للتحالف الدولي من الجرائم التي ارتكبها على مدار عقد كامل ومن المجازر المروعة التي ابتدأها في أيلول 2014م تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، وقوننة لكل ما يمكن أن يرتكبه من إجرام مستقبلاً. تحالف صليبي حاقد يتلطى خلف شعارات كاذبة خاطئة ليخفي هدفه الحقيقي في الضغط على الأمة وتأديب الناس لتجرؤهم وخروجهم على المنظومة الدولية، واستهداف النفس الثوري والجهادي الذي تجذر في نفوس أهل الشام وأمة الإسلام وتطلعهم للحكم بالإسلام عبر دولة بعد عقود تطاولت من الذلة والمهانة وجريمة الحكم بغير ما أنزل الله.
لقد كان من أهم ثوابت ثورة الشام التي جادت بمليوني شهيد التحرر من سطوة دول الغرب وإنهاء نفوذها. وما إن أكرمنا الله بإسقاط بشار حتى تحول التعامل مع أمريكا والغرب والانفتاح عليهما، بنظر الإدارة الجديدة، إلى كونه المصدر الوحيد للأمن والأمان والسلام والتقدم والازدهار الاقتصادي! بل وتركز وسائل الإعلام على الجانب الاقتصادي الرأسمالي بعيداً عن ضوابط الإسلام وأحكامه وشروطه وخاصة في الاقتصاد وفي التعامل مع دول الكفر وخصوصا المحاربة منها، وعلى رأسها أمريكا التي يقطر سلاحها من دمائنا في العراق وأفغانستان والصومال واليمن، بل حتى في سوريا حيث دعمت النظام البائد على مدار 14 عاماً بكل مقومات الحياة لوأد ثورة الشام وإعادة أهلها إلى حضن الجلاد.
ثم إن ربط الوضع الاقتصادي البائس برضا الغرب وبرفع العقوبات فيه من العبث والتدليس ما فيه، لإبعاد أذهان الناس عن الحقيقة القرآنية الخالدة بأن سبب البؤس والشقاء هو إقصاء شرع الله عن الحكم والحياة والدولة، قال تعالى في سورة طه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾.
والأنكى من ذلك تبرير هذا المنزلق الخطير بتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية محتملة تحت ذريعة جلب المصالح ودرء المفاسد بفهم مغلوط لأساسيات ديننا وآلية التعامل مع الدول في السياسة الخارجية.
وإنه لمن الغريب العجيب أن يتحول الموقف من التحالف الدولي من تحالف صليبي يحارب الإسلام إلى حليف وشريك في مكافحة "التطرف والإرهاب"، أي الحرب على الإسلام ومنع عودته إلى سدة الحكم! فأين شعارات الولاء والبراء التي حملها الشرع وأتباعه قبل وصولهم للحكم؟! ألم يسمعوا بقوله تعالى: ﴿قَالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾؟! أم أن هذه الشعارات كانت سُلّماً للوصول حتى إذا كان ما كان باتت نسياً منسياً؟!
يقول الله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾. فهل نصدق أمريكا رأس الكفر ورأس حربته في الحرب على الإسلام، أم نصدق قول الواحد القهار الذي أوصلتنا معيته إلى دمشق منتصرين؟! وأين نذهب بقوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾؟!
لقد ربطت دول الغرب برمتها ملف رفع العقوبات عن سوريا بشروط واضحة فاضحة، على رأسها تعاون الإدارة الجديدة في ملف محاربة الإسلام، وهذا بات واضحاً لكل ذي عينين.
إن إعلان الانخراط الصريح مع أمريكا في هذا التحالف الصليبي الحاقد لهو فخ خطير وشر مستطير لن يطال شؤمه الإدارة الحالية فحسب بل سينعكس على كل من يقره أو يسكت عنه ويتغافل عن آثاره ونتائجه، والتي من أوضحها ملاحقة كل من حمل شعار الإسلام كنظام حياة سواء من أهل البلد أو ممن جاء لنصرتهم من أبناء أمة الإسلام، وما تنظيم الدولة إلا شماعة لتضليل الرأي العام للرضا بالانضمام لهذا التحالف، علاوة على ما سيسببه هذا الانخراط من تبعية سياسية واقتصادية وفرضٍ لخطط سياسية تمس ملفات داخلية كإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية على هوى أمريكا التي تريد أن تكون هذه الأجهزة أدواتها وعيونها الداخلية تستخدمها لخدمة مخططاتها كيف تشاء.
إننا اليوم في الشام على مفترق طرق، إما أن نعود لديننا وهدي ربنا ونهج نبينا ﷺ ونعلن التبرؤ التام من كل ما يخالف شرعنا، أو أن نلهث وراء سراب رضا أمريكا لنقع في سخط الله وتذهب التضحيات الجسام والدماء الزكية التي روّت ثرى الشام أدراج الرياح، فأي الطريقين يجب أن يختار أهل الشام؟!
إنه لحري بأبناء ثورة الشام وأهل التضحيات أن يكونوا على العهد بأن يعلنوا تمسكهم بثوابت دينهم وثورتهم، وعلى رأسها تحكيم الإسلام في ظل دولة الإسلام لتحقيق بشرى النبي ﷺ وقوله: «أَلَا إِنَّ عُقْرَ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ الشَّامُ»، قبل أن نندم جميعاً في وقت لا ينفع فيه بكاء أو نحيب.
--------
كتبه: الأستاذ ناصر شيخ عبد الحي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
- التفاصيل

في مسائل الحكم الرشيد ذكر لنا القرآن قصة الملك القوي العادل (ذي القرنين) عندما امتحنه الله واختبره في كيفية تعامله مع الناس عند الفتح، وقد كان من عادة الملوك إن أخذوا أرضا استباحوها وأعملوا القتل في رجالها وسبوا النساء وسرقوا الأرزاق دون تمييز بين صالح ومفسد.
وقد ذكر القرآن الكريم في سورة الكهف قصة ذي القرنين بعد أن مكنه الله في أرض فتحها واستولى عليها: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا) وهنا وقع الاختبار والتخيير: هل ستعذبهم كلهم كما جرت العادة أم سترحمهم. وقد ذكر القرآن الكريم ماهي الاجراءات التي سيتخذها ذو القرنين في حكمه: (قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا). وهنا كان نجاحه في الاختبار عندما قرر معاقبة الفئة الظالمة والأخذ على يدها بالشدة والقوة، ومكافأة الفئة الصالحة وملاطفة القول معهم بالرحمة والعدل.
قال بعض المفسرين أن هذه قاعدة من قواعد الحكم الرشيد، فقانون العدالة الإلهية أن الظالم يعاقَب ويؤخذ على يديه، فإذا أنت رحمت الظالم فلن تصلحه في الغالب الأعم، خاصة في المراحل الأولى التأسيسية لدولتك. وقد وردت هذه القاعدة في خطبة الصحابي الجليل والعبقري الفذ سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما تولى الخلافة فقال في خطبته: "القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له). ولذلك فإن محاسبة المجرمين حق واجب على الدولة، وتهاونها في محاسبة المجرمين لدواعٍ مختلفة لن يجلب سوى الاضطراب والقلاقل، فلا المظلوم سيترك حقه في المحاسبة ولا المجرم سيرتدع إذا انت عفوت عنه ولم تعاقبه، ونكون قد خسرنا معية الله وتوفيقه إذا تركنا حقوق الناس وتهاونا فيها.
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
إياد أبو حازم
- التفاصيل

على مدى قرنٍ من الزمان، والأمة الإسلامية تئنّ تحت وطأة المصائب والنكبات؛ دماء تُسفك، وبلاد تُدمَّر، وشعوب تُهجَّر، وفقرٌ يشتدّ، وجوعٌ يفتك، وخيراتٌ تُنهب. تتوالى الأزمات عاماً بعد عام، حتى غدت أحوال المسلمين في زماننا هذا من أشدّ ما مرّت به الأمة في تاريخها الطويل.
وحين يبحث الناس عن الحل، تتردّد الدعوات كل عام إلى التوبة والرجوع إلى الله، غير أن الواقع لا يتبدّل، والأحوال لا تنصلح، وكأنّ التوبة لم تؤتِ أُكلها بعد. وهنا ينبغي أن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة: ممّ نتوب؟ وكيف تكون التوبة التي يرضاها الله سبحانه؟
يقول الله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض). [الأعراف: 96].
(ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزِل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم). [المائدة: 66].
فهذه الآيات تُبيّن أن البركة والرخاء مرهونة بإقامة شرع الله، وأن العدل والطمأنينة لا يتحققان إلا في ظل حكمٍ يحكم بما أنزل الله. فكيف نرجو بركة السماء ونحن نُعرض عن حكم رب السماء؟!
كيف تكون توبتنا صادقة، ونحن لا نزال نُحكم بأنظمةٍ علمانيةٍ تستمد تشريعاتها من الغرب، لا من الوحي؟
كيف نتحدث عن وحدة الصف، ونحن ما زلنا نقدّس حدوداً رسمها المستعمر، فرّقت بين أبناء الأمة الواحدة وقطّعت أوصالها؟
كيف نرجو نصر الله وإخواننا يُقتلون في غزة، ويُجوّعون في السودان، ويُحاصرون في اليمن، وتُنهب ثروات الأمة وتُقدَّم قرابين لعدوّها؟
إن الله تعالى يقول: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). [الرعد: 11].
ولا يكون هذا التغيير الحقيقي إلا بالرجوع إلى الإسلام كاملاً، في نظامه وحكمه واقتصاده وسياسته، لا في عباداته الفردية فحسب.
إن توبة الأمة اليوم لا تكتمل إلا بالعمل لإزالة أنظمة الجور التي تحكم بغير ما أنزل الله، وإقامة خلافة راشدة على منهاج النبوة تجمع شمل المسلمين، وتطبق شرع الله، وتعيد للأمة عزتها ومكانتها بين الأمم.
قال رسول الله ﷺ: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت." (رواه أحمد).
فيا أمة الإسلام، ألم يأنِ للقلوب أن تخشع؟ ألم يأنِ أن ندرك أن خلاصنا لا يكون إلا بالعمل لتحكيم شرع الله في الأرض؟!
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم). [الأنفال: 24].
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
وائل مسعود
- التفاصيل

شهدت سوريا، بعد فرار رأس بشار وتهاوي منظومته الأمنية والعسكرية في كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولات سياسية متسارعة تُصنَّف ضمن خانة الأحداث المفاجئة التي لم تكن الإدارات العالمية مستعدة لها. وبرزت زيارة رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى أمريكا ولقاؤه برئيسها ترامب، كمحطة مهمة لأبرز هذه التحولات، محفوفة بجدل عميق حول الثمن السياسي والمبدئي الذي قد تدفعه البلاد في سبيل الاعتراف الدولي والاستقرار المزعوم.
لقد سبقت هذه الزيارة، تحركات في الرياض والأمم المتحدة، لتكون زيارة أحمد الشرع لواشنطن تتويجاً لمسار خطير ينزلق بالبلاد إلى قاع التبعية الذي تفقد فيه السيادة وتسلب فيه الإرادة وذلك بسبب نهج الاعتماد على سراب السند الخارجي الخدّاع.
زيارات لم تمر دون لغط؛ قسم يراها خطوة لا بد منها في سبيل الخروج من العزلة، وآخرون يعتبرونها بداية سلسلة من التنازلات ستفرغ الثورة من مضمونها الأصيل.
وقد ظهر في المشهد أمور عدة وتفاصيل كثيرة ليس أهمها ما يتعلق بالبروتوكولات غير الرسمية، إلا أن الأهم يكمن في جدول الأعمال الذي فرضته الإدارة الأمريكية على القيادة السورية الجديدة:
قانون قيصر: العصا الأمريكية المعلّقة في صدارة الملفات، وكان وضع قانون قيصر لحماية المدنيين. ورغم أنّ المنطق السياسي السليم يقضي بإلغاء العقوبات فور سقوط نظام آل أسد الذي فُرضت العقوبات عليه، إلا أن ما حدث كان تعليقاً للقانون، وليس إلغاءً له. هذا التجميد المؤقت يُقرأ في التحليل السياسي على أنه بمثابة سيف ديموقليس؛ أداة تهديد جاهزة للضرب في حال قصّرت الحكومة الجديدة في تنفيذ التزاماتها.
إن هذا الإبقاء على الضغط الاقتصادي، بالتزامن مع الحديث عن رفع جزئي لتضييقات معيشية، يتسق مع عقلية تأديب الحاضنة الشعبية. وهذا الأمر الذي انتهجته الدول على مر سنوات الثورة كلها، حيث كانت الأهداف من جميع المخططات التي كانت تحمل عنوان الضغط على النظام ومعاقبته كانت تحمل جميعها هدفا واحداً؛ تهذيب سلوك الجماهير الثائرة وإبقاءها في حالة ضغط دائم تحول دون تفكيرها في مشروع سياسي أوسع أو التفرغ لرفع الرأس بمطالب سيادية.
إن إبقاء الناس في حلقة مفرغة من السعي وراء لقمة العيش يُعد استراتيجية غربية لتقويض أي طموح لبناء دولة ذات قرار مستقل.
التحالف الدولي: شرعنة للاحتلال أم ضرورة؟
المحور الأخطر في النقاش كان الضغط من أجل انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي تقوده أمريكا، والذي يراه كثيرون من طلبة العلم ومن المجاهدين تحالفاً صليبياً أعلن الحرب على الإسلام تحت ذريعة محاربة تنظيم الدولة.
هذا التحالف، الذي يعود تاريخ تدخله في سوريا إلى عام 2014، يملك سجلاً حافلاً من المجازر التي استهدفت الحاضنة الشعبية الثائرة، بعيداً عن أهداف محاربة الإرهاب المعلنة. إن القبول بالانضمام إليه يعني عملياً إضفاء الشرعية على الوجود العسكري الأمريكي وقواعده ومناطق نفوذه على الأرض السورية.
لقد كان وجود القوات الأجنبية سابقاً وجوداً غير شرعي أو مؤقتاً مرتبطاً بمناطق قسد أو بقتال تنظيم الدولة. أما الآن، فإن التوقيع على اتفاقية التحالف يقونن هذا الوجود، ويجعل أي معارضة أو انتقاد له جريمة تستوجب الملاحقة القضائية بتهمة الإساءة للعلاقات الدولية!
هذا التنازل يُعد نقطة مفصلية تهدم مبدأ السيادة واستعادة القرار الذي قامت عليه الثورة، وتفتح الباب أمام التدخل المباشر في الشأن الأمني والعسكري السوري.
ملف التطبيع والصدام المبدئي:
الضغط على دمشق لإبرام اتفاقيات أمنية مع كيان يهود، على غرار الاتفاق الإبراهيمي، يضع الحكومة الجديدة في صدام مباشر مع الثوابت المبدئية لنسبة كبيرة من الحاضنة. فالقضية ليست مجرد ترسيم حدود أو الانسحاب من الجولان، بل هي الاعتراف بكيان غير شرعي على أرض فلسطين.
إن هذا المسعى الأمريكي يهدف إلى أمور عدة؛ أولها تثبيت فكرة مفادها أن الإسلام السياسي لا يصلح للحكم، تمهيداً لإنهائها أو استبدال شخصية أكثر براغماتية وقبولاً دولياً بها. وثانيها استهداف بعض التجمعات للمهاجرين والمجاهدين، وذلك بإجبار الحكومة الجديدة وجعلها مضطرة بالفعل للمضي في محاربة ما يسمى "التطرف" وفق التعريفات الغربية، حتى لو كان ذلك يعني محاربة تيارات كانت شريكة في إسقاط بشار، الأمر الذي قد يخلف اقتتالا بين أصدقاء الأمس بذريعة المحافظة على الدولة!
الانفجار الداخلي المنتظر:
إن هذا الخليط المتفجر من الضغط الاقتصادي (قيصر)، والتنازلات السيادية (التحالف)، والصدام المبدئي (التطبيع)، يثير مخاوف حقيقية من انفجار داخلي. فالمجاهدون، سواء السوريون أو المهاجرون، الذين قاتلوا من أجل إقامة دولة تحكم بما أنزل الله، يرفضون هذا المسار بشكل قطعي، ويرون في الانصياع للشروط الغربية خيانة للتضحيات.
هذا التململ يعرّض سوريا لخطر اقتتال داخلي كبير لا يخدم سوى السياسات الخارجية. ورغم أن الشارع السوري قد يمتنع حالياً عن الانفجار خوفاً من الوقوع في فوضى جديدة، فإن استمرار الضغط الاقتصادي بالتوازي مع التنازلات السيادية، يقلل من صبره وقدرته على الصمود.
الخلاصة: ما بعد البراغماتية:
لقد كشف اللقاء بين رئيس الإدارة الانتقالية أحمد الشرع وترامب أن الانتقال السياسي في سوريا لن يكون سهلاً أو مجانياً. إنه اختبار حقيقي للقيادة الجديدة بين البراغماتية المطلوبة للاعتراف الدولي والحفاظ على جوهر الثورة ومبادئها. وفي خضم هذا الصراع بين الإرادة الأمريكية التي تكيد وتدبر، والإرادة الشعبية التي تتضرع إلى الله، يبقى الترقب سيد الموقف.
في النهاية نقول إن المنطقة، وربما العالم، مقبل على زلزال؛ يقوم على اصطدام بين مبدأين؛ مبدأ رأسمالي عقليته استغلال الناس ونهب خيراتهم واستعبادهم، والمبدأ الإسلامي الذي يقوم على الرعاية بأحكام الشرع وحماية رعايا الدولة، صراع سيفضي في النهاية إلى تحقيق ما وعد الله عز وجل به المؤمنين، وما بشر به رسوله الكريم ﷺ لتكون تضحيات الأمس هي الأساس للنصر المنشود، بعيداً عن قواعد وشروط المهيمنين لأننا على يقين أن العاقبة للمتقين.
---------------
كتبه: الأستاذ عبدو الدلي (أبو المنذر)
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
