press

حملة لا لجريمة الحل السياسي نعم لإسقاط النظام وإقامة الخلافة

banner

21

 




وقّع الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 18/1/2026م، اتفاقاً لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات "قسد" في الجيش السوري، بعد تطورات أمنية وعسكرية متسارعة خلال الأيام القليلة الماضية، وكانت أبرز بنوده: وقف فوري وشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات وخطوط التماس، وانسحاب قوات قسد إلى شرق نهر الفرات تمهيدا لإعادة الانتشار، ودمج أفراد قسد ضمن هياكل وزارتي الدفاع والداخلية على أساس فردي، واعتماد مرشحين من قسد لتولي مناصب عسكرية وأمنية ومدنية رفيعة ضمن هيكل الدولة، ودمج الجهة المسؤولة عن سجناء تنظيم الدولة والمخيمات ضمن الحكومة، واستلام الحكومة كل المعابر الحدودية وحقول النفط في الحسكة، وتسليم محافظتي الرقة ودير الزور إداريا وعسكريا للحكومة السورية بشكل فوري، والتزام الدولة بمواصلة مكافحة الإرهاب كعضو في التحالف الدولي وبالتنسيق مع واشنطن، ودمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة وهياكلها، والتزام قيادة قسد بالامتناع عن دمج فلول النظام السابق في صفوفها، والتزامها بإخراج قادة وأعضاء حزب العمال الكردستاني غير السوريين خارج الدولة، وتحمّل الحكومة السورية كامل المسؤولية القانونية والأمنية عن سجون تنظيم الدولة الإسلامية، وتشكيل قوة أمنية في عين العرب من سكان المدينة.

وقال أحمد الشرع بأن المناطق ذات الخصوصية ستنسّب أسماء عناصر الأمن الذين سيعملون فيها، موصياً العشائر العربية بـ"التزام الهدوء وفتح المجال لتطبيق بنود الاتفاق". وسبق ذلك مرسوم رئاسي تضمن الاعتراف بالهوية الكردية واعتبار "عيد النيروز" عيدا وطنيا وعطلة رسمية في جميع أنحاء البلاد، ومنح الجنسية لجميع الأكراد المقيمين في سوريا، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية يُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يُشكّل الأكراد فيها نسبة ملحوظة من السكان. وذكرت الرئاسة السورية أن مظلوم عبدي سيطرح اسم مرشح من قسد لمنصب مساعد وزير الدفاع ويقترح مرشحا لمنصب محافظ الحسكة إضافة إلى أسماء للتمثيل في مجلس الشعب.. هذا وقد أعلن السفير الأمريكي توم باراك عن لقائه بمظلوم عبدي وإلهام أحمد، مؤكّداً التزام واشنطن بدعم مسار الاندماج المنصوص عليه في اتفاق 18 كانون الثاني بين الحكومة السورية وقسد.

ولنا وقفة مع ما ورد أعلاه من أحداث وتصريحات ومواقف:

أولاً: تثبت الأحداث مرة أخرى قذارة دور أمريكا في الحيلولة دون الحسم العسكري الذي هو في متناول اليد، وخاصة بعد لقاء أحمد الشرع بباراك، حتى لا تتفلت الأمور من يدها، وتبقى متحكمة في ضبط إيقاع المشهد السوري بكل جزئياته. فمع تقدم الجيش السريع وانتفاضة الأحرار والعشائر وتحرير معظم مناطق الجزيرة السورية والاقتراب من الوصول إلى محافظة الحسكة، المعقل الأخير لقوات قسد، يأتي الفيتو الأمريكي المعتاد، وتوجيه بالعودة لاتفاقٍ تجاوزته الوقائع الميدانية.

ثانياً: لا تزال الحاضنة الشعبية تثبت في كل مرة أنها صاحبة الفضل وكلمة الفصل بإذن الله، وهي التي يجب الاعتناء بها ورعايتها وتقدير جهودها. فقد كان لها الدور الكبير في تقدم الجيش وانهيار قوات قسد شرقي الفرات. معركة أكدت أنّ الزخم الثوري والجهادي في الشام حاضر وقادر أن يذهب أبعد بكثير من هزيمة فصيل أو تنظيم، زخم مبارك يرنو لإقامة الحكم بالإسلام عبر دولة تعيد للمسلمين القوة والمنعة والعزة والمهابة، دولة تحرك الجيوش لتحرير بلاد المسلمين ومقدساتهم، وفي مقدمتها المسجد الأقصى الحزين الذي يئن أسيراً تحت حراب يهود.

ثالثاً: معروف أن الدول الاستعمارية ليست جمعيات خيرية أو صانعة سلام، إنما لكل شيء عندها ثمن ومقابل، ومن أهداف أمريكا السياسية المرحلية تقوية موقف الإدارة الحالية في دمشق، مؤقتاً، لتكون قادرة على تمرير استحقاقات المفاوضات والاتفاقات مع يهود، مع ضغط ترامب لتسريع وتيرة التطبيع قبل الانتقال لما هو أخزى كـ"اتفاقيات أبراهام"، إضافة لملف "مكافحة الإرهاب" الذي لا يقصد به أعداؤنا إلا محاربة الإسلام وأهله والعاملين لتطبيقه في ظل دولة، وفرض نظام علماني خالص في سوريا بعد دماء ما يقرب من مليوني شهيد هتفوا قبل ارتقائهم: "قائدنا للأبد.. سيدنا محمد".

رابعاً: كعادتها، تتاجر أمريكا بشركائها المزعومين، فأدوات اليوم عندها هم نفايات الغد عندما تنتهي صلاحيتهم ويستنفدون دورهم ويتوفر البديل عنهم، وها هي قسد، التي وضعت نفسها في خدمة أمريكا طمعا في تحقيق دولة كردية، يتم تحجيمها، رغم عدم انتهاء وظيفتها. فليحذر من يغازلون أمريكا ويطلبون ودها من الوقوع في الفخاخ نفسها كي لا يلقوا المصير ذاته، فكل ما تطلبه أمريكا اليوم تحت زعم الشراكة فخ خطير وشر مستطير يهدد ديننا وثوابت ثورتنا وما تحقق من نصرنا.

خامساً: رغم أهمية ما تحقق من إنجاز وتحرير، إلا أن قيمته في خطر عظيم، فما قيمة ما تحقق إذا كان الثمن هو التفريط بالسيادة والتحول إلى أداة مؤقتة في خدمة أمريكا، بذريعةِ مصالح مزعومة أو تقاطعها؟! وكما قيل مراراً، فإن المتغطي بأمريكا عريان، والعاقل من اتعظ بغيره. فالتماهي مع السياسة الأمريكية ينذر بالخطر والكوارث والمصائب، سرابٌ يحسبه الظمآن ماء، بل حبل مشنقة يلتف حول أصحابه، ولنا فيمن سبق عبرة وأي عبرة.

سادساً: إن من أخطر مكر أمريكا في سوريا هو سعيها لتقزيم ما تحقق من نصر على عميلها أسد، ومنع استفراد المنتصرين بالحكم والقرار والاستقلالية، كي يكونوا فقط مكوناً كباقي مكونات الحكم التي كانت تدعم الطاغية الهارب ونظامه البائد، في سلطة تشاركية منزوعة الدسم، كنمر بلا أنياب ولا مخالب، لتضيع الهوية وتضطرب البوصلة ويصادَر القرار وتُسلَب عوامل القوة وتضيع التضحيات لنعود من جديد للمربع الأول. فأمريكا لا تأمن لـ"إسلاميين" أن يتفردوا بالسلطة، مهما قدموا من تعهدات وتنازلات ما دامت حاضنة الثورة تبتغي العزة بالإسلام، وما سكوت أمريكا المرحلي عن بعض أخطاء السلطة إلا لاعتبارهم إياها نتاج انتصارهم في ثورتهم. وإنه لا تتم علمنة الدولة بالطريقة الأمريكية إلا بوجود "أقليات" في مراكز الحكم والقرار، كاختراق الأمن والجيش والتغلغل فيهما تحت عنوان الاندماج أو بذريعة تطبيق بنود اتفاقات سابقة.

سابعاً: الأكراد المسلمون إخوة لنا في الدين، لا خلاص لهم بالمشاريع الانفصالية التي تتاجر بها الدول الحاقدة، ولا خلاص لهم كما للعرب وغيرهم إلا بالعودة إلى الإسلام الذي يساوي بين الشعوب ويضمن الحقوق ويحقق العزة والرفعة تحت ظل حكم الإسلام، على عكس قيادات قسد التي تعلنها حرباً صريحة على ديننا وشرع ربنا، قيادات وكيانات وجب استئصالها وقطع دابرها، لأنها خنجر مسموم في صدر الأمة وظهرها، لا عهد لها ولا ميثاق، لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة.

ثامناً: إن معالجات الإسلام وحدها هي التي تحل المسألة من جذورها وتقطع أيدي الدول العابثة بشؤوننا، وخاصة في ملف العرقيات الصغيرة الذين تتلاعب بهم أيادي الغرب وتستغلهم بأسلوب رخيص، خدمةً لأهدافها لا حرصاً على مصالحهم، فأمريكا تريد إدخالهم، ومنهم مليشيات قسد الانفصالية، في الجيش والأمن، ودعمها وتعزيز مركزها ونفوذها لتفريغ الجيش من صفته الثورية وطابعه الإسلامي، رغم أن مظلوم عبدي ورفاقه كبشار الهارب ورموز نظامه البائد، سفكوا الدماء وهتكوا الأعراض واستباحوا الحرمات، والقصاص وحده ما يليق بهم، ومكانهم الطبيعي أقبية السجون، لا مناصب عليا في الجيش والأمن لعلمنتهما ومحاصرة النفس الثوري والجهادي وتحييد الانتصار وأثره وتفريغه من مضمونه، تنفيذاً لأوامر المندوب السامي الأمريكي توم باراك.

وختاماً، ستبقى جذوة الإيمان في الشام بإذن الله متقدة تدفع باتجاه كل خير، وقودَ الصادقين ومنارةَ التائهين، حتى يأذن الله بالنصر والتمكين الحقيقي، حكم الإسلام في ظل دولة الخلافة على منهاج النبوة، لنعيد كتابة التاريخ من جديد، ونسأل الله أن يكون ذلك قريبا.

---------
كتبه: الأستاذ ناصر شيخ عبد الحي
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا

 

20



إنّ الناظر في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال فيه: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)، إن الناظر في هذا الحديث الشريف نظرة المحتاج الى التغيير سيرى بوضوح أن الانتقال من الحكم الجبري إلى الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة لن يكون انتقالا سلسلا متدرجا بسبب التناقض الشديد بين الفترتين، وكأنه انتقال من أقصى اليمين الى اقصى الشمال، وهذه وحدها كافية لدحض بدعة التدرج فضلا على دحضها بالأدلة الشرعية الواضحة وهذا لا يمنع أن الله عز وجل سيهيئ الظروف والأحداث لقيامها. فما عليك إلا أن تقرأ هذا الحديث قراءة المحتاج إلى تلك الخلافة العظيمة لتعلم عندها بأنّ هذا الانتقال يحوجك إلى أن تتكلف بتكاليف التغيير الحقيقي والتي تدحض شبهة التدرج وتنسف عقلية المتدرجين.

هذا الانكسار في الخط الحضاري للأمة الإسلامية هو دليل قاطع على وجود طريقة شرعية محكمة للتغيير نحو الخلافة الراشدة الثانية، فالأمر ليس اعتباطياً. وإن أي رأي يقول بالتدرج الهادئ غير المحفوف بالمخاطر نحو الخلافة الراشدة أو أي رأي يقول بأنَّ الخلافة الراشدة ستأتي كحقبة زمنية بدون عمل وبدون تفكر لهو دليل على افتقاد القائلين بذلك إلى ملكة الاجتهاد فضلا عن أن السياق الصريح للحديث هو أكبر دليل على بطلان كل طريقة لا تتسم بالأدلة الشرعية الواضحة، وذلك يؤكد على أن الطريقة الشرعية الوحيدة لإقامة الخلافة الراشدة الثانية هي الطريقة التي أُمِر بها الرسول عليه الصلاة والسلام وطبقها في مكة والتي أنتجت دولةً في المدينة المنورة.
إن دولة الخلافة التي سقطت على يد المجرم مصطفى كمال بالتعاون مع خونة العرب لن تعود إلا بالطريقة الشرعية التي أقيمت بها دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة وسنعيدها بإذن الله مع العاملين بحق لعودتها ومع أبناء الأمة الإسلامية التي لا يُعدم فيهم الخير.

الأحداث متسارعة والهدف عظيم والمقومات حاضرة، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليعمل لعز الدنيا والآخرة وتحقيق بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العاملين لإعادة صرح الإسلام العظيم الذي يعز به الإسلام وأهله ويذل به الشرك وأهله، ففي ذلك عزنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة بإذن الله.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
المهندس أسامة اليوسف

17

 



جريدة الراية: عدالة انتـ ـقائية تعيد إنتاج الظـ ـلم من جديد!
بقلم: الأستاذ أحمد الصوراني


كثر الحديث في سوريا، منذ سقوط نظام آل أسد، عن ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية، أي بعبارة أخرى تحقيق عدالة تضمن الانتقال من نظام ظالم مستبد إلى نظام جديد يحقق الإنصاف لشعب عانى أشد أنواع القمع والبطش على مدى أربعة عشر عاماً.

لكن هنا يبرز السؤال الجوهري ألا وهو من هم المجرمون الذين يستحقون أن تطالهم يد العدالة؟ وهل نالوا فعلاً ما يستحقونه من محاسبة وعقوبة تشفي قلوب الأمهات الثكالى، وتُبرد جراح الشعب السوري المكلوم عموماً؟

لا شك أن أول من تجب محاسبتهم هم القيادات السياسية والعسكرية والأمنية التابعة لنظام بشار. غير أن الواقع يُظهر عكس ذلك تماماً؛ إذ نرى أن كثيراً منهم شملهم العفو أو التغاضي عنهم. فمثلاً، محمد غازي الجلالي، رئيس الوزراء السابق، يتم اللقاء به في دمشق يوم التحرير، وتبادل الأحاديث الودية معه أثناء تسلم مقاليد الحكم في دمشق، بدل اعتقاله ومحاكمته، ثم نراه لاحقاً من المشاركين في احتفالات ذكرى التحرير السنوية!

أما فادي صقر، أحد رؤوس الإجرام العسكرية والأمنية التشبيحية، فقد أصبح أحد الأعضاء المؤسسين للجنة السلم الأهلي، ويتوسط لإخراج الشبيحة وعساكر النظام من السجون تحت عنوان ضبابي وعريض مفاده أن "أيديهم لم تتلطخ بالدماء"، مع أن فادي صقر نفسه ثابت تورطه وتَلطخُ يديه بالدماء، وهو أحد المسؤولين المباشرين عن مجازر حيّ التضامن، وعن جرائم قوات الدفاع الوطني التي كان يترأسها في دمشق.

وأما قضاة النظام السابق، الذين أصدروا أحكام الإعدام والسجن الطويل بحق آلاف الأبرياء، فقد بقي بعضهم يمارس عمله بشكل طبيعي في محاكم الإدارة السورية الجديدة، ويحكم بالقوانين نفسها التي وضعها النظام السابق، وهي ذاتها القوانين التي كانت سبباً رئيسياً في الشقاء والظلم الذي عانى منه الشعب السوري.

كذلك الحال مع أعمدة النظام الاقتصادية، كمحمد حمشو، حيث تم توقيع صك براءته، وطُويت جرائم الماضي بجرة قلم، ليستمر في ممارسة أعماله التجارية دون أي محاسبة، مع أنه يستحق المحاكمة على جرائمه ودعمه المالي غير المحدود لنظام بشار، وهو الدعم الذي استُخدم بشكل مباشر في قتل أهل الثورة.

حتى الشخصيات البارزة من نظام أسد ممن اعتقلوا، كوزير الداخلية محمد الشعار، الذي شغل أيضاً منصب رئيس فرع الأمن السياسي، وعاطف نجيب، رئيس فرع الأمن العسكري في درعا وابن خالة بشار، والذي كان له دور محوري في تأجيج الاحتجاجات في درعا في بداية الثورة، إضافة إلى إبراهيم حويجة، رئيس إدارة المخابرات الجوية، ومفتي النظام أحمد حسون، جرى تصوير مقاطع فيديو تُظهر أنهم يخضعون لمحاكمات، لكن هل يُعقل أنه بعد مرور عام كامل لم تنتهِ محاكماتهم، ولم يثبت عليهم شيء حتى الآن يقتضي تطبيق حكم القصاص بحقهم، أو حتى مقاضاتهم وفق القانون الوضعي الذي تبنته الإدارة الجديدة؟!

الواقع أن أحداً منهم لم يُحاكم فعلياً، ولم يُحاسَب أيٌّ من أزلام النظام المجرم، بل نراهم يُفرج عنهم على دفعات، حتى كادت السجون أن تُفرغ منهم!

في المقابل، تزامنت هذه الإفراجات الواسعة لشبيحة نظام أسد وأزلامه مع محاكمة ما يقرب من ثلاثين شاباً من شباب حزب التحرير، حيث صدرت بحقهم أحكام جائرة تراوحت بين ثلاث وعشر سنوات، مع أن جميعهم معتقلون قبل التحرير، وجرمهم الوحيد عند من اعتقلهم أنهم معتقلو رأي، خالفوا هيئة تحرير الشام آنذاك في توجهها نحو تجميد الجبهات، والخضوع لنفوذ تركيا، وإملاءات الدول التي كانت تسعى لمصالحة النظام المجرم، وصولاً إلى الحل السياسي الأمريكي وتطبيق القرار 2254، القاضي بدمج المعارضة مع النظام وتشكيل حكومة مشتركة، ونسيان الماضي الإجرامي لنظام آل أسد.

ولم يقتصر الظلم على شباب حزب التحرير، بل طال معتقلي رأي آخرين، بعضهم اعتُقل قبل التحرير كالشيخ أبو شعيب المصري وأبو يحيى الجزائري، وبعضهم اعتقل منذ فترة قريبة بسبب رأي مخالف لحكومة الجولاني، أو فيديو أو تعليق كتبه على وسائل التواصل. ومن الأمثلة على ذلك اعتقال الصحفي الأمريكي بلال عبد الكريم في مدينة الباب، وكأنه مجرم حرب، بعد إغلاق الطرق ومحاصرته بعدد كبير من الآليات العسكرية، وكذلك اعتقال الإعلامي مراد محلي في مدينة جرابلس، بعد مداهمة منزله، وإهانة من فيه، وتكسير معداته الإعلامية.

ولم يسلم المهاجرون المناصرون للثورة من القمع والاعتقال، مثل المهاجر أبو دجانة التركستاني، وأبو إسلام الأوزبيكي، ناهيك عن الهجوم العسكري الذي شنته قوات أمن الإدارة الجديدة على مخيم المهاجرين الفرنسيين، قبل أن تتراجع عنه تحت الضغط الإعلامي.

بل إن من يطالب بفتح جبهات قتالية لإنهاء حالة التمرد الانفصالي يلقى المصير ذاته، كما حصل مع الناشط أبو شابوح الفراتي، الذي ظهر في بيان مصور مع عدد من المقاتلين ودعا إلى تحرير الجزيرة السورية من قوات قسد الانفصالية، فكان مصيره السجن.


إن ما نشهده اليوم، وبكل وضوح، هو إعلان للتسامح والعفو والصفح عن المجرمين والقتلة، في مخالفة صريحة لمعايير العدالة، في حين تتم ملاحقة وتجريم أصحاب الكلمة والرأي، في انتهاك واضح للقانون والإعلان الدستوري الذي تبنته الإدارة نفسها، إضافة إلى تجريم من جاء يوماً لنصرة الشعب الثائر من المهاجرين، إرضاءً للتوجيهات الخارجية، خاصة بعد انضمام الإدارة إلى الحلف الأمريكي لمحاربة (الإرهاب) وفق المفهوم الغربي، أي الإسلام.

وبعبارة أخرى، فإن الإدارة السورية لا تمارس عدالة انتقالية حقيقية، ولا حتى الحد الأدنى من معايير العدالة، بل تمارس عداوة سياسية انتقائية بحق أطياف واسعة من الشعب السوري، وبحق الحاضنة الثورية التي ترى نفسها اليوم مهمشة على جميع المستويات بل ملاحقة إذا طالبت بتحقيق أهداف الثورة التي خرجت من أجلها، في الوقت الذي يتم فيه تقريب حاضنة النظام البائد، ومحاولة استمالتها وكسبها كبديل عن حاضنة الثورة.

إن العدالة الانتقالية ليست شعاراً يُرفع، ولا مادة إعلامية تُستهلك، بل هي مسار حقيقي لا يستقيم إلا بمحاسبة المجرمين دون استثناء، وإنصاف الضحايا دون تمييز، وحماية الرأي والتعبير دون انتقائية. وأي مشروع سياسي يتجاهل هذه القيم، أو يستبدل الصفقات بالعدالة، والمجاملات بالمحاسبة، لن يؤسس لدولة مستقرة، بل سيعيد إنتاج الظلم بثوب جديد، ويزرع بذور صراع قادم لا محالة. فإما عدالة حقيقية تُنصف الدماء والتضحيات ولن يتحقق ذلك إلا بتطبيق نظام الإسلام، أو أننا نسير في نفق مظلم يهدد آمال السوريين ويفرغ التحرير من معناه.

19

 



إن كل العملاء، من حكام وغيرهم، مرورًا بحافظ وابنه، وعبد الناصر، ومبارك، و«قسد» وعصابتها، وغيرهم من الأدوات؛ كلهم كانوا يقدمون الطاعة والولاء ليبقوا على كراسيهم المعوجة، ملتحفين بغطاء أمريكا، وما هم إلا أداوات مرحلة، تطول أو تقصر، وعندما ينتهي دورها ترى نفسها بلا غطاء، في العراء.
وما قضية قسد التي استثمرتها أمريكا على مدار السنين، إلا شاهد ودليل. فلم تكن «قسد» يومًا تمثل المسلمين الكرد، كما لم يكن حزب البعث يمثل المسلمين في سوريا.
فعلى المسلمين الكرد التبرؤ منها، والعودة إلى أصلهم ومحيطهم، ألا وهو الإسلام.
وعلينا جميعًا، كمسلمين، أن ندرك أننا في ميزان دول الاستعمار رقم لا قيمة له؛ فإذا تغيّرت المصالح رمتك تلك الدول إلى مزابل التاريخ.
وعلى أهل الشام، وهم في مرحلة خطيرة ومفترق طرق، أن يعلموا أن غطاء أمريكا لا يقي حرًّا ولا بردًا، إنما هو مكر وخداع، وأن يلجؤوا إلى ركن الله الشديد، ويتوكلوا عليه في إتمام نصرهم، وتتويج تضحياتهم بتحكيم شرع ربهم؛ وبذلك يعزّ الله الإسلام وأهله، ويذلّ الكفر وأهله.
قال تعالى: ﴿ولينصرنّ الله من ينصره إن الله لقويّ عزيز﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمود البكري
لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية سوريا

 

14

أقرّ الإسلام مبدأ محاسبة الحاكم والقائد وجعله حقاً للرعية وواجباً عليها، ولم يدعُ إلى تمجيده أو التزلف له، بل حذّر من الافتتان بالحكام والقادة؛ لأن ذلك من أعظم الفتن التي قد تعصف بأمة الإسلام. فالإسلام لم يجعل الحاكم فوق المساءلة، وإنما ألزمه بالعدل، وجعل الأمة رقيبة عليه بعد أن جعل السيادة للشرع وحده.
وقد تجلّى هذا المبدأ بوضوح في عهد الخلفاء الراشدين، وعلى رأسهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي كان يزجر من يمدحه، ويكره الإطراء، خوفًا من الوقوع في الكِبر أو الانحراف. ففي إحدى خطبه صعد عمر رضي الله عنه إلى المنبر فقال: «أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا»، فقام الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه وقال: «لا سمع ولا طاعة يا أمير المؤمنين حتى تخبرنا من أين لك هذا الثوب؟»، إذ كان عمر يرتدي ثوبين، بينما لم يُعطَ الناس إلا ثوبًا واحدً فبيّن لهم ابنه عبد الله رضي الله عنهما أنه أعطاه ثوبه، فقال سلمان: «الآن نسمع ونطيع يا أمير المؤمنين».
وهذا الموقف يوضح كيف كان الصحابة يحاسبون الحاكم على أدق التفاصيل، دون خوف أو مجاملة، ولم يكونوا أهل مدحٍ أو تملق. وكذلك حاسبت امرأةٌ عمرَ الفاروق رضي الله عنه في قضية المهور، فلم يمنعه مقامه من الرجوع إلى الحق. كما عزل عمر رضي الله عنه القائد العظيم خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش، لا طعنًا فيه، ولكن خشية أن يفتتن الناس به ويظنوا أن النصر مرتبط بشخصه لا بنصر الله.
وعلى النهج نفسه، لما تولّى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخلافة، جاءه الشعراء والمدّاحون، فزجرهم، ودخل عليه الشاعر جرير، فأنكر عليه المدح، فلما خرج جرير قال لبقية الشعراء إنهم سيلقون ما يسوءهم إن دخلوا عليه. وهناك مئات الأمثلة التي تؤكد هذا المنهج، غير أن المقام لا يتسع لذكرها.

إن هؤلاء القادة العظام كانوا يحكمون بشرع الله، ويقبلون المحاسبة، ويخشون الله في السر والعلن. وهنا تبرز مفارقة إغراق المديح لحكام لا يطبقون شرع الله، بل يحاربون من يدعو إليه، ويسجنون من يعمل لإقامة حكم الإسلام!

فبعد إسقاط الخلافة، ظهرت قيادات وزعامات عديدة، مثل أتاتورك، وجمال عبد الناصر، وحكام المسلمين اليوم، ومع ذلك، لم تُحاسبهم الأمة كما يجب، بل بالغ كثيرون في مدحهم، حتى تحوّلوا إلى طواغيت، ففتكوا بالمسلمين سجنًا وقتلًا وتشريدًا، وحاربوا الإسلام بأشكال شتى، ومكّنوا الكافر المستعمر من نهب ثروات المسلمين، واحتلال فلسطين على يد اليهود. بل بلغ الأمر ببعض الحكام إلى مساندة كيان يهود في حربه على غزة، والتطبيع معه، والتنسيق الأمني، وتحويل جيوش المسلمين إلى حماة لهذا الكيان الغاصب.
لذلك، فليحذر المسلمون من هذه الفتنة العظيمة؛ فإن يوم الحساب لن ينفعك القائد الذي مدحته. فإن كان صالحًا فلن يحتاج إلى مدحك، وإن كان ظالمًا محاربًا لدين الله، وكنت من المبرّرين له، فأنت شريك في هذا الجرم العظيم.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ۝ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
وقال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب».

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
مصطفى نجار