press

حملة لا لجريمة الحل السياسي نعم لإسقاط النظام وإقامة الخلافة

banner

 

15

جريدة الراية:
ترامب والتفكك القيادي الأمريكي


إن ما يجري داخل أروقة الحكم في أمريكا، من إقالات متتالية لقيادات عسكرية بارزة، وعلى رأسها رئيس الأركان وعدد من الجنرالات، ليس حدثاً إدارياً عابراً، ولا مجرد إعادة ترتيب داخلي، بل هو انعكاس مباشر لأزمة عميقة تضرب صلب الكيان السياسي الأمريكي، وتكشف عن تفكك في وحدة القرار بين السياسي والعسكري.

فالدولة التي تقود العالم، يفترض أن تكون حروبها منضبطة بأهداف سياسية واضحة، وأن يكون جيشها أداة تنفيذ دقيقة لهذه الأهداف، على عكس ما نشهده اليوم، خاصة في ظل نهج دونالد ترامب، فهو زجٌّ بالمؤسسة العسكرية في صراعات لا تحمل تعريفاً سياسياً محدداً، ولا تصوراً نهائياً لما يُراد تحقيقه، وهذا بحد ذاته كفيل بإحداث تصدع في بنية الجيش، وخلق حالة من التمرد الصامت داخل قياداته، التي تجد نفسها مطالبة بالقتال دون بوصلة.

إن هذا التناقض بين الفعل العسكري والفراغ السياسي، هو ما يفسر حالة الارتباك الأمريكي، فبرغم ما تملكه الولايات المتحدة من تفوق عسكري، وما تنفذه من ضربات في أكثر من ساحة، بما فيها التصعيد مع إيران، إلا أن هذه الأفعال تبقى عاجزة عن تحقيق إنجاز سياسي مستقر، لأنها ببساطة تفتقد للهدف. وهذا ما يحول القوة من أداة حسم، إلى عبء يكشف عجز القيادة بدل أن يخفيه. وليس هذا فحسب، بل إن هذا التخبط يأتي في سياق صراع دولي محتدم، تتقدم فيه قوى كالصين، وتُستخدم فيه أطراف إقليمية كإيران ضمن ترتيبات دولية معقدة. غير أن اللافت، أن أمريكا التي كانت تضبط إيقاع هذا الصراع، باتت اليوم عاجزة عن إدارته بالإحكام ذاته، بسبب غياب القيادة السياسية الواعية، وتآكل الفروق الحقيقية بين أجنحتها السياسية، حتى غدا الصراع داخلها صراعاً على السلطة، لا صراعاً يخص المبدأ أو الاتجاه.

وهنا تتكشف الحقيقة الأخطر وهي أن الأزمة ليست أزمة إدارة، بل أزمة مبدأ. فالرأسمالية التي قامت عليها أمريكا، لم تعد قادرة على إنتاج قيادة سياسية متماسكة، ولا على تقديم رؤية تقود بها العالم، بل باتت تتخبط حتى في إدارة نفسها. وهذا التآكل في المبدأ، انعكس مباشرة على أدواته، فاهتزت القيادة، واضطرب الجيش، وتفكك القرار.

وفي خضم هذا المشهد، تُترك الأمة الإسلامية، التي تملك من الطاقات والثروات ما يجعلها رقماً صعباً في المعادلة الدولية، خارج دائرة الفعل، بل تساق جيوشها لخدمة مشاريع غيرها، وتنهب ثرواتها، ويفرض عليها واقع سياسي يبقيها تابعة، بينما يستخدم قواها الكامنة عملاء صغار، لا يملكون من أمرهم شيئاً.

إن ما يجري اليوم من ارتباك في القيادة الأمريكية، ومن اضطراب في إدارة الصراع الدولي، ليس إلا إرهاصاً بانكشاف دولي كبير، يفتح الباب أمام تغيير جذري في موازين القوى. وهذه اللحظة، لا ينبغي أن تفهم على أنها مجرد ضعف في الخصم، بل هي فرصة تاريخية للأمة، إن هي امتلكت مشروعاً سياسياً مبدئياً، يعيد ربط القوة بالغاية، ويضع الجيوش في موقعها الطبيعي: أدوات لتحرير الأرض، لا لحراسة الأنظمة.

فالأمة التي تحمل الإسلام عقيدة ونظاماً، وتدرك أن الحكم بما أنزل الله هو أساس النهوض، هي وحدها القادرة على ملء هذا الفراغ، وإعادة توجيه الصراع نحو أعدائها الحقيقيين، وعلى رأسهم كيان يهود، ومن يقف خلفه من قوى الاستعمار.

إنها لحظة سقوط البوصلة عند أهلها، ولحظة امتحان لمن يملك البوصلة أن يتقدم. فإما أن تُستثمر هذه اللحظة في استئناف الحياة الإسلامية على أساس مشروع الخلافة الراشدة التي ستعيد للأمة دورها ومكانتها، وإما أن تبقى الأمة رهينة لصراعات غيرها، تدفع ثمن ذلك من دمائها وثرواتها.

-------
بقلم: الأستاذ أحمد زكريا

 

14

جريدة الراية:
بين زلزال الوعي ومخاض اليقين العالم على أعتاب نظام جديد


​لم يكن ما شهده العالم خلال عقد ونيف من الثمانينات مجرد تحركات سياسية أو عسكرية عابرة، بل كان زلزالاً ضرب عمق المفاهيم والأفكار البالية التي رُسخت في أذهان الشعوب لعقود. إننا نعيش اليوم مرحلة التصحيح الكبرى للوعي الجمعي، حيث سقطت أدوات الترهيب التي حاولت الأنظمة الاستبدادية زرعها عبر قيم الأنانية والخوف، لتبرز مكانها فطرة الشعوب التواقة للحرية والكرامة.

​الحاضنة الشعبية: الدرع الذي لا يُهزم

​إن سر الصمود الأسطوري الذي نشهده اليوم يكمن في الحاضنة الشعبية؛ تلك القاعدة الصلبة التي لم تعد مجرد داعم للمشاريع التحررية، بل أصبحت هي المبتدأ والخبر. لقد أثبتت التجربة أن الحاضنة الواعية هي المختبر الحقيقي للثبات؛ فرأينا الأم التي تودع ابنها صابرة، والمجتمع الذي يحتضن خيار المقاومة رغم الثمن الباهظ. هذه الحاضنة هي التي كسرت أسطورة "العين لا تقابل المخرز"، وحولت الانكسار النفسي إلى اتقاد ثوري، مؤكدة أن الالتفاف الشعبي هو الضمانة الوحيدة لإسقاط منظومات الاستبداد والتبعية.

​سقوط "البعبع" وزلزال أكتوبر

​لقد جاءت عملية طوفان الأقصى لتكون النقطة الفاصلة التي أغلقت باب التاريخ القديم وفتحت زمناً جديداً. لسنوات طويلة، روجت الدعاية الدولية لكيان يهود والقوى العظمى التي تقف خلفه بوصفها القوة التي لا تقهر، لكن أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاها كشفت العوار الاستراتيجي لهذه القوى.

​لقد تحول الحديث من الهيمنة إلى الوجود، وسقطت الهيبة النفسية في أزقة غزة وعلى أسوار اليقين الجديد. ما كان يخيفنا بالأمس كـ"بعبع" عسكري، بات اليوم مادة للتحليل حول عجز أمريكا ووهن يهود. إن مواجهات حرش الجبيلية في نوى وبيت جن في سوريا، وصولاً إلى ملاحم غزة، أثبتت حقيقة واحدة وهي أن القوة المادية، مهما بلغت، تظل قاصرة أمام إرادة القائد المبادر الذي ينطلق من عقيدة ومبدأ.

​المخاض العسير وولادة النظام الجديد

​إن المنطقة اليوم لا تمر بمجرد أزمة، بل تعيش حالة مخاض لولادة نظام دولي جديد سيغير وجه التاريخ. إن عالم ما بعد طوفان الأقصى يختلف جذرياً عما قبله؛ فالرهانات القديمة على استقرار العروش أو التوازنات الأمنية الهشة باتت رهانات خاسرة.

​نحن اليوم أمام مسارين لا ثالث لهما: ​إما التمدد الذي يحلم بابتلاع المنطقة من النيل إلى الفرات في حال انكسار إرادة الشعوب. أو بزوغ فجر السيادة حيث تشكل غزة والشام اليوم الميزان الذي سيحدد ملامح الخارطة القادمة، واقتلاع كل الكيانات الطارئة التي تفتقد للجذور والمبادئ.

​خاتمة: السياق الطبيعي للجسد الواحد

​إن التحام عزة الشام وثورتها مع بطولة غزة هو الحالة الطبيعية لأمة وصفها رسولها ﷺ بقوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». هذا المد الجماهيري والوعي المتصاعد هو السياق الطبيعي لاسترداد الهوية، والوقوف ضده هو مقامرة خاسرة تضع أصحابها في خانة الأعداء.

​المنطقة تتجهز لولادة كبرى، والاقتراب من الأهداف العظمى بات أقرب من أي وقت مضى. ومن يظن أن "البعبع" ما زال مخيفاً، فهو يقرأ من كتاب قديم أُحرقت صفحاته بلهيب الإرادة الشعبية والمواجهات الميدانية. لقد استرد الناس فطرتهم، وما هو إلا قليل حتى يتجسد التحرير الكامل، ويُكتب تاريخ جديد بمداد من العزة والكرامة، تاريخ يقوم على دولة مبدئية ترعى الناس رعاية حقيقية كما شرع الله، دولة تنقل الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، دولة تنقل الناس من ظلمات المستعمرين الجشعين إلى نور الإسلام ورحمته، إنها دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله، هم على يقين بذلك ويعملون لمنع عودتها ونحن على يقين ومدعومون بوعد من الله سبحانه، ولن يخلف الله وعده، وبشرى من رسوله ﷺ.

كتبه: الأستاذ عبدو الدلي (أبو المنذر)
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا

 

 

11

الحال الطبيعية للأمة الإسلامية هي كما وصفها رسول الله ﷺ:
«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى». فالأمة الحية تتألم لآلام أبنائها، تماماً كما يتألم الجسد لجرحٍ فلا يهدأ حتى يعالجه. أما فقدان الإحساس فليس راحة، بل علامة موت. ومن هنا، فإن تحرك الأمة عند اشتداد الألم ليس مدعاة قلق، بل بشارة عافية، كاستجابة مريض بدأ يستعيد وعيه بعد غياب.
وتبقى قضية القدس والمسجد الأقصى في قلب هذا الجسد؛ فهي قضية مركزية تمس وجدان الأمة كلّها. وإذا أصاب هذا القلب ألم، انتقل أثره إلى سائر الأعضاء. وما جرى مؤخراً من إقرار كيان يهود قانون إعدام الأسرى، وإغلاق المسجد الأقصى لأكثر من شهر، كان جرحاً عميقاً في قلب الأمة، لا يمكن أن يمرّ دون أثر. وقد كان طبيعياً أن تهتزّ الأمة لهذا الحدث، وأن تتحرك تعبيراً عن غضبها ورفضها. وكان لأهل سوريا النصيب الأكبر في هذا التعبير، على اعتبار أنهم طليعة الأمة المجاهدة، والأشد إحساساً بآلامها، فصدحوا بموقفهم، وعبّروا عن غضبٍ صادق يعكس نبض الأمة الحي.
وهنا تتجلّى الحقيقة: أن ما نراه من تحرك ليس فوضى، بل نبض حياة. ولو أن الأمة لم تتحرك، لكان ذلك هو موضع الخطر الحقيقي. فالحمد لله على نعمة الوعي، وعلى بقاء هذا الإحساس حياً في جسد الأمة.
لكن ما كشفته هذه الأحداث بوضوح أن الخلل لم يعد في عامة الأمة، بل في كثير من نخبها. كان يُفترض أن تكون هذه النخب أسبق إحساساً، وأعمق وعياً، وأشدّ استجابة، فإذا بها تقف متأخرة، مترددة، بل ومندهشة من حركة الأمة. وتخبطت في تفسيرها، تارة تنسبها إلى مؤثرات خارجية، وتارة داخلية، دون أن يخطر لها أنها هي التي تأخرت، وأن الأمة قد سبقتها.
إن الفجوة بين الأمة ونخبها اليوم آخذة في الاتساع، وخطرها كبير إن لم تُدرك هذه النخب موقعها الحقيقي وتصحح مسارها. فليس من دورها أن تعيد الأمة إلى الخلف حيث الركود، بل أن تلحق بها، وتنهض معها، وتقودها بوعيٍ وبصيرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
ومن هنا، فإن على الأمة أن تعيد حساباتها فيمن تعتبره من نخبها، وأن تميّز من يمثلها حقاً؛ نخبٌ منها، تعيش قضاياها، تتقدم صفوفها، وتتحمل مسؤولية قيادتها بصدقٍ وشجاعة، تحمل مشروعاً واضحاً للخلاص (خلافة على منهاج النبوة)، تنير لها الطريق، ليكون ذلك بإذن الله بوابة عز ونصر وتمكين. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
وائل مسعود

 

13

 



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشام عقر دار الاسلام)، الحقيقة الواضحة التي باتت حاضرة في أذهان أهل الشام أن حدود سايكس بيكو التي أقرها أعداء أمتنا ماهي إلا وصمة عار على جبين الأمة إن بقيت على هذا الحال. ما إن أصدر الكنيست اليهودي المصادقة على قانون إعدام الأسرى الذين دافعوا عن المسرى حتى خرجت جموع غفيرة في المدن السورية معلنة رفضها لهذا القرار الظالم واعتبرت أن هذا التصرف ما هو إلا استهتار بدماء أهلنا في الأرض المباركة فلسطين، كما اعتبرت أن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم جزء لا يتجزأ من الشام المبارك، وما قام به أهل الشام ما هو إلا انطلاقا من هذه القاعدة الأساسية أن المسجد الأقصى جزء من أرض الشام وبلاد الإسلام، وهو في قلب كل مسلم، وما نراه من تحرك أهل الشام هو مثال عملي أن المسلمين أمة واحدة إذا اشتكى منه عضو تداعى لهم سائر الجسد بالسهر والحمى.
أعاد هذا القرار الذاكرة لمشاهد سلسلة القهر والتعذيب الذي تعرض له أهل الشام في أقبية النظام البائد، في صيدنايا وتدمر وغيرها، والتحذير من الاستهانة بدماء أهل الشام وأن الخذلان الذي انتهجه حكام المسلمين، بل تآمرهم، ما هو إلا وصمة عار على جبينهم، وأن هذه المظاهرات هي تعبير عن غضبهم من هذا التخاذل والتآمر، وأنهم يبرؤون أنفسهم أمام الله وأنهم برءاء من هذا الفعل المشين، ويوجهون رسالة واضحة لأبنائنا المجاهدين المخلصين في الجيوش الرابضة في الثكنات أن نصرة الاقصى وتحرير الأسرى هي مهمتكم بل واجب عليكم وأنكم ستسألون أمام الله عن هذا الخذلان، وأن لا عذر لكم بهذا التقصير، وأن دحر يهود ونصرة الأقصى وفك العاني والدفاع عن الإسلام والمسلمين هو مهمتكم وليس حماية الحكام الرويبضات الذي يتسلطون على رقاب الناس ويحققون مصالح أعداء الأمة، وإن عدم قيامكم بواجب الوقوف بوجه اليهود الذين تجرؤا وتمادوا واستطالوا في الطغيان هو إنذار خطير يهددكم يوم القيامة.
هذا وإن هناك من يحاول أن يحرف البوصلة من إعلاميين وسياسيين ومثقفين زاعمين أن هذا التحرك ما هو إلا فقاعة وغيمة عابرة سوف تنتهي بسرعة، مستخفّين بهذا الموقف الذي يقفه أهل الشام، من درعا جنوبا حتى حلب وإدلب شمالا، مرورا بدمشق والغوطة فسطاط المسلمين، وتناسوا أن هذه المظاهرات التي تميزت بها ثورة الشام المباركة هي رسائل واضحة أن الشام كل الشام شريانها واحد وهمها واحد وألمها واحد، تهتف أين جيوش المسلمين وأين المخلصين من أبناء أمتنا، هل هانت عليكم صرخات الأمهات وأنين الأسرى! هل هان عليكم سيطرة كيان يهود وعربدته بحق أولى القبلتين وثالث الحرمين!
فيا أهلنا الصادقين في أرض الشام كما دخلتم دمشق بالأمس القريب، كونوا من الرجال الذين يبعثهم الله، أولي بأس شديد، لتنالوا شرف تطهير المسجد الأقصى من رجس يهود ويتحقق فيكم قوله تعالى: (... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا). (الإسراء).

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
محمد الحمصي

 

9

 



لم يكن غريبا يوما أن نرى أولئك المرتبطين سياسيا وعسكريا بكيان يهود ومن خلفه أمريكا يتشدقون بالعجز ويروجون له كأنه قدر لا يرد، فهم أنفسهم الذين ما فتئوا يكررون على مسامع الأمة: "لا نستطيع" و"الظروف لا تسمح" و"موازين القوى مختلة"، حتى غدا العجز عندهم عقيدة لا موقفا طارئا.
غير أن مشهد أهل الشام وفي القلب منهم أهل سوريا جاء ليكسر هذه المعادلة المصطنعة، فما إن أقرّ كيان يهود عبر الكنيست تشريعات تطال الأسرى بالإعدام حتى خرجت الجموع من كل حدب وصوب تهتف لنصرة المستضعفين وتطالب بتحرك حقيقي يضع حدا لوجود هذا الكيان الغاصب، خرجوا لا يملكون عتاد الجيوش، ولكنهم يملكون ما هو أعظم: صدق الشعور ووضوح القضية والإيمان بها والدعوة للتحرك الصادق المثمر.
وهنا يظهر التناقض الفج، فذات الأصوات التي كانت بالأمس القريب تمنع أي تحرك في الشمال السوري بحجة أن النظام قوي ومدعوم دوليا، وأن فتح المعارك ضرب من الجنون، تعود اليوم لتصف دعوات النصرة بأنها "مؤامرة" أو "محاولة لجرّ البلاد إلى حرب لا طاقة لها بها" وكأنهم لا يتقنون إلا لغة التثبيط ولا يجيدون إلا صناعة الأعذار.
إن هذا المنطق المهزوز يتجاهل حقيقة راسخة في عقيدة المسلمين، وهي أن النصر ليس حكرا على من امتلك أسباب القوة المادية فقط، بل هو ثمرة لصدق الالتجاء إلى الله والإيمان بنصره والالتزام بأحكامه، والسير وفق سننه وفي معيته، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله وكم من قوة عظيمة تهاوت حين واجهت أمة صادقة في إيمانها ثابتة على مبدئها.

إن المطلوب اليوم ليس الاستسلام لحسابات العاجزين ولا الارتهان لمعادلات صنعها أعداء الأمة، بل المطلوب هو الالتزام بحكم الله في نصرة المستضعفين والعمل الجاد لمحاسبة الجيوش التي تمتلك القدرة ودفعها للتحرك الفعلي، لا الاكتفاء بالمواقف الإعلامية الجوفاء، فالأمة التي أسقطت طغاة وغيرت معادلات قادرة بإذن الله على إنهاء كيان قام على الاغتصاب والباطل.

وسوريا نفسها التي أرادوا لها أن تكون مثلا على العجز تحولت رغم الجراح إلى شاهد حي على أن إرادة الشعوب حين تتصل بعقيدتها لا يمكن كسرها بسهولة، وما جرى فيها من تحولات رغم كل ما أحاط بها من قوى دولية متآمرة دليل على أن موازين القوى ليست قدرا ثابتا بل تتبدل حين تتبدل إرادة الأمة.
إن سنن الله لا تحابي أحدا وهي لا تتبدل ولا تتغير، فمن أخذ بأسباب النصر الحقيقية وعلى رأسها الصدق مع الله والالتزام بأوامره نال وعده ولو بعد حين، أما من ركن إلى العجز وتذرع بالمستحيل فلن يجني إلا مزيداً من الهوان.

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا
أحمد زكريا